|
|
.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::. أعلم المسلمين أنهم إِنَّمَا بُعِثْوا مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ يبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ - الحلقة السادسة والأخيرة ========================================================== |
|
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ". (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر) تم في الحلقة السابقة الوقوف عند فوائد مستنبطة من حديث أبي موسى، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ، قَالَ: «بَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا» (صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير، وترك التنفير). ويذكر العيني أن هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لاشتماله على خيري الدنيا والآخرة؛ لأن الدنيا دار الأعمال، والآخرة دار الجزاء، فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيما يتعلق بالدنيا بالتسهيل، وفيما يتعلق بالآخرة بالوعد بالخير والإخبار بالسرور، تحقيقاً لكونه رحمة للعالمين في الدارين. وقد تم تعليل اقتران النهي عن التنفير والتعسير مع الأمر بالتبشير والتيسير، فحيث لا يلزم من عدم التعسير ثبوت التيسير، ولا من عدم التنفير ثبوت التيسير، فقد جمع بين هذه الألفاظ لثبوت هذه المعاني؛ لأن هذا المحل يقتضي الإسهاب وكثرة الألفاظ لا الاختصار؛ لشبهه بالوعظ، والمعنى: بشروا الناس أو المؤمنين بفضل الله تعالى وثوابه وجزيل عطائه وسعة رحمته، وكذا المعنى في قوله: "ولا تنفروا" يعني بذكر التخويف وأنواع الوعيد، فيتألف من قرب إسلامه بترك التشديد عليهم، وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان، ومن بلغ وتاب من المعاصي يتلطف بأنواع الطاعة قليلاً قليلاً، كما كانت أمور الإسلام على التدريج في التكليف شيئاً بعد شيء؛ وهناك تفسير ذكره المناوي لقوله، صلى الله عليه وسلم: «بَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا»(صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد) أي سهلوا الأمور ولا تنفروا الناس بالتعسير، وزُعم أن المراد النهي عن تنفير الطير وزجره، وكانوا ينفرونه، فإن جنح عن اليمين تيمنوا، أو الشمال تشاءموا، وهذا زلل فاحش إذ المبعوث الصحابة، كما قيد به، ومعاذ الله أن يفعلوا بعد إسلامهم ما كانت الجاهلية تفعله. (فيض القدير:5/112) وتركيز النبي، صلى الله عليه وسلم، على سمة التيسير حين قال لأئمة المسلمين: "...فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ". يشير إلى عنايته، عليه الصلاة والسلام، باستجلاب خيرات التيسير وثماره، وتجنب سلبيات التعسير ومشكلاته، ومن تلك المشكلات الواضحة التنفير من الدين. وأحاديث الأمر بالتيسير والتبشير، والنهي عن التعسير والتنفير، يحقق العمل بمقتضاها غاية سامية عني الإسلام بها عناية فائقة، عمادها كسب القلوب وتأليفها لقبول الدين والانصياع إليه بحب ورغبة، فإن من مصارف الزكاة الثمانية شريحة المؤلفة قلوبهم، وحث الإسلام على الرفق بالمدعوين والإحسان إليهم، ومخاطبتهم بالحسنى، وأشاد الله برفق النبي، صلى الله عليه وسلم، بالذين يخاطبهم ويتعامل معهم، مبيناً أنه لو لم يكن على هذا النحو لانفضوا عنه ونفروا، ومن صفات الله الحسنى "الواسع" وهو القائل جل ذكره: {...إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة:115) والمراد سعة ملكه، أو سعة تيسيره. (التحرير والتنوير:1/665) "الدين يسر" يؤكد الرسول، صلى الله عليه وسلم، في حديث أبي هريرة المثبت نصه أعلاه على منطلقات الحث على التيسير والتنفير من التعسير، ببيانه أن الدين بكليته يقوم على اليسر، ويبين العيني أن "الدين يسر" أي عينه، على سبيل المبالغة، فكأنه لشدة اليسر وكثرته نفس اليسر، كما يقال: أبو حنيفة فقه؛ لكثرة فقهه، كأنه صار عين الفقه، ومنه "رجل عدل"، واليسر بضم السين وسكونها، نقيض العسر، ومعناه التخفيف، ثم كون هذا الدين يسراً يجوز أن يكون بالنسبة إلى ذاته، ويجوز أن يكون بالنسبة إلى سائر الأديان، وهو الظاهر؛ لأن الله تعالى رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم، كعدم جواز الصلاة في المسجد، وعدم الطهارة بالتراب، وقطع الثوب الذي تصيبه النجاسة، وقبول التوبة بقتل أنفسهم، ونحو ذلك، فإن الله تعالى من لطفه وكرمه رفع هذا عن هذه الأمة رحمة لهم، قال الله تعالى: {...وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ...} (الحج:78) والألف واللام في الدين للعهد، وهو دين الإسلام. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري:2/126) يعقب ابن بطال على عنوان باب "الدِّينُ يُسْرٌ" وقوله: "أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ" فيقول: معنى هذا الباب أيضًا أن الدين اسم واقع على الأعمال؛ لقوله، صلى الله عليه وسلم: "الدين يسر"(صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر) ثم بين الطريقة التي يجب امتثالها من الدين بقوله: "فسددوا وقاربوا" إلى آخر الحديث. وهذه كلها أعمال سماها، صلى الله عليه وسلم، دينًا، والدين والإسلام والإيمان شيء واحد. قال أبو الزناد: والمراد بهذا الحديث الحض على الرفق في العمل، وهو كقوله، صلى الله عليه وسلم: "خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا". (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب صوم شعبان) وعن عَبْد اللهِ بْنَ عَمْرٍو، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ لِي النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟» قُلْتُ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ، قَالَ: «فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ، وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ حَقًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ". (صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ". (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر) وقوله: "أبشروا" - يعني بالأجر والثواب على العمل، و"استعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" كأنه خاطب مسافرًا يقطع طريقه إلى مقصده، فنبهه إلى أوقات نشاطه التي يزكو فيها العمل؛ لأن الغدو والرواح والدلج أفضل أوقات المسافر. (شرح صحيح البخاري- لابن بطال:1/96-97 بتصرف) "سددوا وقاربوا" تتماشى مع منطلقات التيسير الأوامر الشرعية المتعلقة بالتسديد والمقاربة، كما هو مبين في حديث عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا، وَإِنْ قَلَّ".(صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل) يبين النووي أن معنى "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا" أي اطلبوا السداد واعملوا به، وإن عجزتم عنه فقاربوه، أي اقربوا منه، والسداد الصواب، وهو بين الافراط والتفريط، فلا تغلوا ولا تقصروا. (صحيح مسلم بشرح النووي:17/162) وينسب إلى ابن حزم أن مَعْنَى الْأَمْر بِالسَّدَادِ وَالْمُقَارَبَة أَنَّهُ، صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ بُعِثَ مُيَسِّرًا مُسَهِّلًا، فَأَمَرَ أُمَّته بِأَنْ يَقْتَصِدُوا فِي الْأُمُور؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الِاسْتِدَامَة عَادَة. (فتح الباري:18/288) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا".(صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل) يذكر ابن بطال أن النبي، صلى الله عليه وسلم، إنما حض أمته على القصد والمداومة على العمل، وإن قلّ؛ خشية الانقطاع عن العمل الكثير، فكأنه رجوع عن فعل الطاعات، وقد ذمّ الله ذلك، ومدح من أوفى بالنذر. وينفي ابن بطال تعارض قوله، صلى الله عليه وسلم: "لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ" مع قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (الزخرف:72). مبيناً أن الحديث غير معنى الآية، فقد أخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، في الحديث أنه لا يستحق أحد دخول الجنة بعمله، وإنما يدخلها العباد برحمة الله، وأخبر الله تعالى في الآية أن الجنة تُنال المنازل فيها بالأعمال، ومعلوم أن درجات العباد فيها متباينة على قدر تباين أعمالهم، فمعنى الآية في ارتفاع الدرجات وانخفاضها والنعيم فيها، ومعنى الحديث في الدخول في الجنة والخلود فيها، فلا تعارض بين شيء من ذلك. (شرح صحيح البخاري-لابن بطال:10/179-180) «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» يتقاطع مع الأمر بالتيسير ذم التشدق في الدين والتنطع، ومن ذلك ذم المتنطعين حسب ما جاء في حديث عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ». قَالَهَا ثَلاثًا. (صحيح مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون) يبين النووي أن معنى "هلك المتنطعون" أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم. (صحيح مسلم بشرح النووي:16/220) ويذكر القاضي عياض أن هلاكهم يكون في الآخرة. (إكمال المعلم شرح صحيح مسلم:8/80) ويبين ابن بطال أن في هذا من الفقه أن أمور الدنيا نظير ذلك في أن الغلو وتجاوز القصد فيها مذموم، وبذلك نزل القرآن، قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}(الفرقان:67) فحمد الله في نفقاتهم ترك الإسراف والإقتار، وقال: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا}(الإسراء:26)، فأمر تعالى بترك التبذير في سبله التي ترجى بها الزلفة لربه، فالواجب على كل ذي لب أن تكون أموره كلها قصدًا في عبادة ربه كان أو في أمر دنياه، في عداوة كان أو محبة، في أكل أو شرب، أو لباس أو عرى، وبكل هذا ورد الخبر عن السلف أنهم كانوا يفعلون. وأما اجتهاده، عليه الصلاة والسلام، في عبادة ربه؛ فإن الله كان خصهّ من القوة بما لم يخص به غيره، فكان ما فُعل من ذلك سهلاً عليه على أنه، عليه الصلاة والسلام، لم يكن يحي ليله كله قيامًا ولا شهرًا كله صيامًا غير رمضان. (شرح صحيح البخاري- لابن بطال:9/303) ففي إطار الحديث عن إعلام المسلمين أنهم إِنَّمَا بُعِثْوا مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ يبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، تم ختم ما تيسر من موضوعات هذا الحديث بالوقوف في هذه الحلقة عند التأكيد بأن الدين يسر، والأمر بالسداد والمقاربة، والتحذير من التنطع. راجين الله أن ينفع في الدنيا والآخرة من تابع قراءة هذه الحلقات الست، وتدبر معانيها ومضامينها حول هذا الموضوع بالغ الأهمية، حسب ما جاء في الحديث الصحيح المروي عن نبينا محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 24 آب 1448هـ |
| 2026-08-07 |