.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يكثر من الحلف بمقلب القلوب -الحلقة الثامنة عشرة

==========================================================

يبلغ الحجاج عن الله أن يتزودوا وأن خير الزاد التقوى

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: " كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلاَ يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}( البقرة: 197)) (صحيح البخاري، كتاب الحج، باب قول الله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}( البقرة: 197))
انطلاقاً من أن الحلف كان الأكثر منه بمقلب القلوب، تعرضت الحلقة السابقة للحديث عن القلوب، التي هي من مكونات الأبدان، وعُبر عن القلب بمضغة، وهي: الْقِطْعَةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ اللَّحْمِ، عَلَى قَدْرِ مَا يَمْضُغُهُ الْآكِلُ، وفي هذه التسمية إشارة إلى تصغير هذا العضو؛ لأن أصل المضغة قدر ما يمضغه الإنسان في فيه، وهي أساس في صلاح صاحبها من الناس أو فساده، ما يعني لزوم العناية بنقاء القلوب، وصرف المؤثرات الضارة عنها.
وقد نفى القرآن الكريم وجود أكثر من قلب للإنسان، فقال عز وجل: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ...}(الأحزاب:4) فليس للإنسان قلبان، يؤمن بأحدهما، ويكفر بالآخر، وقلوب الخلق أنواع، منها الجيد الطيب، ومنها السيء الرديء، ومن أنواع القلوب، الواجفة، ومعناها المضطربة، وسمي الوجيف في السير لشدة هزله واضطرابه. وهو إخبار عن حال المشركين الذين يكذبون بيوم الدين، وذلك حين تطلع عليهم أمارات الساعة، وإرهاصاتها، وفي الإخبار عن القلوب دون أصحابها إشارة إلى أن القلوب في هذا اليوم، هي التي تتلقى هذه الأحداث، وتتفاعل بها، وأن الإنسان في هذا اليوم قد استحال إلى قلب واجف مضطرب، كل جارحة فيه، وكل عضو من أعضائه، قد صار قلباً، يدرك، ويشعر، وينفعل. وذلك من شدة وقع الأحداث، التي يتنبه لها كيان الإنسان كله. وفي تنكير القلوب، إشارة إلى أنها قلوب غير تلك القلوب التي عهدها الناس، إنها هذا الإنسان المجتمع فيها بكل أعضائه وجوارحه.
ومن أنواع القلوب وأصنافها تلك التي يجمع الله فيها الرأفة والرحمة، وعنها يقول عز وجل: {...وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً...} (الحديد:27) والمراد من الرأفة والرحمة هو أنهم كانوا متوادين بعضهم مع بعض، كما وصف الله أصحاب محمد، عليه الصلاة والسلام، بذلك في قوله: {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} (الفتح: 29).
خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى
بمناسبة قرب عيد الأضحى المبارك ويوم النحر، واستعداد حجاج بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج لهذا العام، وضمن الحديث عن القلوب وتقلبها والحلف بذلك، قد يكون من المناسب الوقوف عند مسألة ذات صلة، تتعلق بالتقوى المطلوبة من المسلم دائماً وأبداً، ومن النصوص الشرعية التي ذكرت القلوب في سياق الحديث عن الحج، تلك الرواية الصحيحة التي يأمر فيها الله بالتزود بالتقوى، التي هي خير الزاد، كما هو مبين في حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، المثبت نصه أعلاه، ويروي ابن حجر عن الْمُهَلَّب قوله: فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفِقْه أَنَّ تَرْك السُّؤَال مِنْ التَّقْوَى، وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ اللَّه مَدَحَ مَنْ لَمْ يَسْأَل النَّاس إِلْحَافًا. وقوْله: {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} أَيْ تَزَوَّدُوا وَاتَّقُوا أَذَى النَّاس بِسُؤَالِكُمْ إِيَّاهُمْ، وَالْإِثْم فِي ذَلِكَ. (فتح الباري:5/161)
ويذكر الطاهر بن عاشور أن التزود إعداد الزاد، وهو الطعام الذي يحمله المسافر، وهو تفعل مشتق من اسم جامد، وهو الزاد. فالتزود مستعار للاستكثار من فعل الخير للاستعداد ليوم الجزاء، شبه بإعداد المسافر الزاد لسفره، بناء على إطلاق اسم السفر والرحيل على الموت.
قوله: {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} بمنزلة التذييل أي التقوى من التزود للسفر، فكونوا عليها أحرص.
ويجوز أن يستعمل التزود مع ذلك في معناه الحقيقي على وجه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، فيكون أمراً بإعداد الزاد لسفر الحج تعريضاً بقوم من أهل اليمن، كانوا يجيئون إلى الحج دون أي زاد، ويقولون: نحن متوكلون على الله، فيكونون كلاً على الناس بالإلحاف.
فقوله: {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ} إلخ إشارة إلى تأكيد الأمر بالتزود، تنبيهاً بالتفريع على أنه من التقوى؛ لأن فيه صيانة ماء الوجه والعرض. (التحرير والتنوير:2/231-232)
ويبين أحمد الإدريسي الشاذلي أن جِمَاعُ التقوى مخالفة الهَوى، ومحبة المولَى، فهذه تقوى أولي الألباب؛ الذين صفَتْ مِرآة قلوبهم، فأبصروا الرشد والصواب. (البحر المديد:1/250)
وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ
وقد أشار الله تعالى إلى أهمية بارزة للتقوى خلال ذكر {الْبُدْن} التي هي من شعائر الله، فبين سبحانه أن الأهم من نحر {الْبُدْن} والتقرب بلحومها لله هدياً بالغ الكعبة، أن ينبع القيام بهذه الشعيرة من تقوى، فقال عز وجل: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} (الحج: 36-37) قال مجاهد: "سميت (الْبُدْن): لبدنها، و(القانع): السائل، و(المعتر): الذي يعتر بالبدن من غني أو فقير، و(شعائر): استعظام الْبُدْن واستحسانها، و(العتيق): عتقه من الجبابرة، ويقال: (وجبت) سقطت إلى الأرض، ومنه وجبت الشمس.(صحيح البخاري، كتاب الحج، باب ركوب البدن)
{لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا} المُتَصَدَّقُ بها، {وَلَا دِمَاؤُهَا} المهراقة بالنحر، أي: لن يصل إلى الله اللحم والدم، {وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ}؛ فإنه هو الذي طلب منكم، وعليه يحصل الثواب. والمراد: لن تصلوا إلى رضا الله باللحوم ولا بالدماء، وإنما تصلون إليه بالتقوى، أي: بالإخلاص لله، وقصد وجه الله، بما تذبحون وتنحرون من الهدايا، فعبَّر عن هذا المعنى بلفظ {يَنَالَ}؛ مبالغةً وتأكيدًا، كأنه قال: لن تصل لحومها ولا دماؤها إلى الله، وإنما يصل إليه التقوى منكم، وقيل: كان أهل الجاهلية يلطخون الكعبة بدماء قرابينهم، فَهَمََّ المسلمون أن يفعلوا مثل ذلك، فنزلت الآية.(البحر المديد:4/620)
فالتقوى التي محلها القلب، أهم من الأعمال والشعائر الظاهرة التي يقوم بها العابد بجوارحه، فهذه على الرغم من ضرورة القيام بها كونها من متطلبات الحج والعمرة، لكن انطلاقها من التقوى والمقاصد المخلصة لله أساس لقبولها.
من يأتي الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ومنيب
تأكيداً لهذه المعاني المُشاد فيها بالتقوى التي محلها القلب، أثنى الله في القرآن الكريم على أنواع من القلوب، فبين أن العبرة الأهم أن يأتي المرء ربه بقلب سليم، فقال عز وجل على لسان إبراهيم، عليه السلام: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ* يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء:87-89)
فهذا مقطع من دعاء إبراهيم، عليه السلام، ليكون من المصطفين الأخيار، للتعليم والاقتداء به، فسأل ربه أن لا يُخْزِه يَوْمَ البعث، أي لا يفضحه بعتاب على ما فرط، أو بنقص منزلة عن وارث، وأن يُجْره من الخزي والهوان يوم القيامة، ويوم يبعث الخلائق أولهم وآخرهم. وهذا مبالغة منه، صلّى اللّه عليه وسلم، في تحري الكمال والسلامة والنجاة، في يوم شديد الأهوال، الذي وصفه بقوله: {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} أي ذلك اليوم الذي لا يقي المرء من عذاب اللّه ماله، ولو افتدى بملء الأرض ذهباً، ولا أولاده، ولو افتدى بمن على الأرض جميعاً، وإنما ينفع يومئذ الإيمان باللّه تعالى، وإخلاص الدين له، والتبري من الشرك وأهله. والمراد بالقلب السليم: الخالي من العقائد الفاسدة، والأخلاق الرذيلة، والميل إلى المعاصي، وعلى رأسها الكفر والشرك والنفاق، وقال سعيد بن المسيب، رحمه اللّه: القلب السليم: القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن؛ لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال اللّه تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} (البقرة: 10). (التفسير المنير للزحيلي:19/173-174)
ومدح الله في سورة الصافات إبراهيم، عليه السلام، كونه جاء ربه بقلب سليم، فقال تعالى: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ* إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الصافات:83-84) يبين ابن جزي أن الشيعة الصنف المتفق، فمعنى {من شيعته} من على دينه في التوحيد، والضمير يعود على نوح، عليه السلام، وقيل: على سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر- حسب ترجيح ابن جزي- {إذ جاء ربه} عبارة عن إخلاصه، وإقباله على الله تعالى بكليته. وقيل المراد المجيء بالجسد، {بقلب سليم} أي سليم من الشرك والشك والعيوب جميعها. (التسهيل لعلوم التنزيل:2 /427)
وفي سورة (ق) أثنى الله على من يأتيه يوم القيامة بقلب منيب، فقال جل شأنه: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ* هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ* مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} (ق:31-33)
يبين ابن عاشور أن الإزلاف: التقريب، مشتق من الزلف بالتحريك، وهو القربة، أي جعلت الجنة قريباً من المتقين، أي ادنوا منها. والجنة موجودة من قبل ورود المتقين إليها، فإزلافها قد يكون بحشرهم للحساب بمقربة منها، كرامة لهم عن كلفة المسير إليها، وقد يكون عبارة عن تيسير وصولهم إليها بوسائل غير معروفة في عادة أهل الدنيا.
والأواب: كثير الأوب، أي الرجوع إلى الله، أي إلى امتثال أمره ونهيه.
والحفيظ: كثير الحفظ لوصايا الله وحدوده. والمعنى: أنه محافظ على الطاعة، فإذا صدرت منه فلتة أعقبها بالتوبة. والخشية: الخوف. وأطلقت الخشية على أثرها، وهو الطاعة.
ومعنى {وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} أنه حضر يوم الحشر مصاحباً قلبه المنيب إلى الله، أي مات موصوفاً بالإنابة، ولم يبطل عمله الصالح في آخر عمره. (التحرير والتنوير:26/265-266)
فضمن الحديث المنبثق عن الحلف بمقلب القلوب، وقفت هذه الحلقة عند أمر له صلة وثيقة بالقلوب، وهو التقوى، التي هي خير الزاد، ولَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُ الهدي وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِن عباده حجاج بيت الله الحرام وغيرهم، وتم الوقوف كذلك عند صفات محمودة لقلوب الكرام، فهم الذين يأتون الله بقلوب سليمة ومنيبة.
سائلين الله العلي القدير التوفيق للوقوف عند مزيد من الموضوعات والقضايا ذات الصلة بالقلوب وتقلبها، وبمتعلقات ذلك، حسب ما ثبت في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة المروية عن نبينا محمد، وسلم صلى الله عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
5 ذو الحجة 1447هـ

تاريخ النشر 2026-05-22
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس