|
|
.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::. يحذر من الأثرة ويأمر بمواجهتها بالصبرالحلقة السادسة ========================================================== |
|
عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَعْمَلْتَ فُلاَنًا وَلَمْ تَسْتَعْمِلْنِي؟ قَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي".(صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: "سترون بعدي أموراً تنكرونها") ضمن الحديث عن التحذير عن الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر، وقفت الحلقة السابقة عند قوله، صلى الله عليه وسلم: "سَتَكُونُ أَثَرَةٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا"(صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام) وفسرت الأثرة هناك: بأنها الاستئثار بمال الله، وبمال المسلمين عليهم، فيأثر بعضهم به دون بعض، أو الاستئثار بالخلافة والملك، بالعهد لمن لا يستحقه، أو لعقد ذي السلطان والقوة ذلك لغير اْهل، أو يكون المراد بها: الشدة. أي سيكون استبداد واختصاص بالأموال فيما حقه الاشتراك. والخطاب في قوله، صلى الله عليه وسلم: "وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا"، لأصحابه؛ فدلّ على أن منهم من يدرك أول ما سَمَّاه آخرًا، وكذلك كان. وذكرت روايات أخرى صحيحة عن الأمر الغيبي المتعلق برؤية أثرة والأمور التي تنكر، وضمن إخباره، صلى الله عليه وسلم، صحابته عن حقائق وقعت وأخرى ستقع لاحقاً، فقال لهم: "وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ"(صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول). والمراد بأوّل الأُمَّة: زمانَه، وزمانَ الخلفاءِ الثلاثة إلى قتل عثمان. فهذه الأزمنة كانت أزمنة اتفاق هذه الأمَّة، واستقامة أمرها، وعافية دينها، والصحابة بعد أن أنذرهم الرسول، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بقوله: "سَتَكُونُ أَثَرَةٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ"(صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام). فوائد مستنبطة من حديث: "سَتَكُونُ أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا" الحديث المتفق عليه: "سَتَكُونُ أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ". بين النووي أنه من معجزات النبوة، وقد وقع هذا الإخبار متكرراً، ووجد مخبره متكرراً، وفيه الحث على السمع، وإن كان المتولي ظالماً عسوفاً، فيُعطى حقه من الطاعة، ولا يُخرج عليه، ولا يُخلع، بل يتضرع إلى الله تعالى في كشف أذاه، ودفع شره وإصلاحه، وأن في الأثرة لغات ثلاث، والمراد بها هنا استئثار الأمراء بأموال بيت المال، والله أعلم. (صحيح مسلم بشرح النووي:12/232) مناسبة أخرى للتحذير من الأثرة والأمر بمواجهتها بالصبر يربط حديث أُسَيْد بْنِ حُضَيْرٍ المثبت نصه أعلاه، تولي الإمارة بالأثرة، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، أجاب من طلب تولي المسؤولية، بذكر الأثرة، والأمر بالصبر حتى يتم اللقاء به، صلى الله عليه وسلم، يوم القيامة، وقد جاء في بعض الروايات الصحيحة تحديد مكان اللقاء المشار إليه في نص هذا الحديث، والذي سيكون بالنبي، صلى الله عليه وسلم، يوم القيامة، وهو الحوض، فقال: "حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ"(صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم، للأنصار: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض"). وفي رواية صحيحة أخرى بين أن الرجل الذي قال للنبي، صلى الله عليه وسلم: "اسْتَعْمَلْتَ فُلاَنًا وَلَمْ تَسْتَعْمِلْنِي" كان من الأنصار، فعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ خَلَا بِرَسُولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا؟" (صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم) وقوله: "ألا تستعملني؟" أي ألا تجعلني عاملاً على الصدقة، أو متولياً على بلد؟ وقوله: "كما استعملت فلاناً" أي كاستعمالك فلاناً، قيل: هو عمرو بن العاص. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري:24/426) تولي الإمارة أمانة تلزمها كفاءة وتقوى الأصل في تولي الإمارة أنها تكليف وليست للتشريف، فهي أمانة عظيمة، وقد ورد التحذير من الحرص على توليها، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ". (صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة) يذكر ابن بطال عن المهلب قوله: حرص الناس على الإمارة ظاهر للعيان، وهو الذي جعل الناس يسفكون عليها دماءهم، ويستبيحون حريمهم، ويفسدون في الأرض حين يصلون بالإمارة إلى لذاتهم، ثم لا بد أن يكون فطامهم إلى السوء، وبئس الحال؛ لأنه لا يخلو أن يُقْتل عليها، أو يُعْزل عنها، وتلحقه الذلة، أو يموت عليها، فيطالب في الآخرة فيندم. والحرص الذي اتهم النبي، صلى الله عليه وسلم، صاحبه، ولم يوله، هو أن يطلب من الإمارة ما هو قائم لغيره، متواطئًا عليه، فهذا لا يجب أن يعان عليه، ويُتهم طالبه، وأما إن حرص على القيام بأمر ضائع من أمور المسلمين، أو حرص على سد خلة فيهم، وإن كان له أمثال في الوقت والعصر، لم يتحركوا لهذا، فلا بأس أن يحرص على القيام بالأمر الضائع، ولا يتهم هذا، إن شاء الله. (شرح صحيح البخاري-لابن بطال:8/218) واشتراط الكفاءة فيمن يتولى الإمارة، مهما كان مستواها، بينه الرسول، صلى الله عليه وسلم، لصحابي من خيار الصحابة، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا". (صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة) يذكر النووي أن هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات، لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية، وأما الخزي والندامة فهو في حق من لم يكن أهلاً لها، أو كان أهلاً ولم يعدل فيها، فيخزيه الله تعالى يوم القيامة، ويفضحه، ويندم على ما فرط، وأما من كان أهلاً للولاية وعدل فيها، فله فضل عظيم، تظاهرت به الأحاديث الصحيحة، واجماع المسلمين منعقد عليه، ومع هذا فلكثرة الخطر فيها حذره، صلى الله عليه وسلم، منها، وكذا حَذر العلماء، وامتنع منها خلائق من السلف، وصبروا على الأذى حين امتنعوا. (صحيح مسلم بشرح النووي:12/210-211) وقوله، صلى الله عليه وسلم، لأبي ذر: "إنك ضعيف"؛ أي: ضعيف عن القيام بما يتعّين على الأمير؛ من مراعاة مصالح رعيته الدنيوية والدينية. ووجْهُ ضعف أبي ذر عن ذلك: أنّ الغالب عليه كان الزهد، واحتقار الدنيا، وترك الاحتفال بها. ومَنْ كان هذا حاله لم يعتن بمصالح الدنيا، ولا بأموالها الذَيْن بمراعاتهما تنتظم مصالح الدين، ويتم أمره. (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم:5/403) وفي الرواية الصحيحة الأخرى عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ". (صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة) الإعراض عن تولية من يسأل الإمارة أو يحرص عليها لتولي الإمارة ضوابط وقيود، منها رفض منحها الذي يسألها ويطلبها أو يحرص عليها ويتشغف لها، استناداً إلى حديث أَبِي مُوسَى، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ قَوْمِي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: أَمِّرْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَهُ، فَقَالَ: إِنَّا لَا نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ، وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ"(صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة) فهذا الحديث يساند التحذير العام من الحرص على تولي المسؤولية، خاصة لمن لم يكن أهلاً لها. الإشادة بالإمام العادل الأحاديث التي تشيد بالأئمة العادلين المنصفين، الذين تولوا المسؤولية وكانوا أهلاً لها، وأدوا حق الله فيها كثيرة، منها حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وقد جاء على رأس السبعة الإمام العادل، كما ثبت في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ...". (صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة) يبين القاضي عياض أن الإمام العادل: هو كل من إليه نظر في شيء من أمور المسلمين؛ من الولاة والحكام. (إكمال المعلم شرح صحيح مسلم:3/295) ويبين النووي أن الحديث بدأ بالإمام العادل لعموم نفعه، وأنه وقع في أكثر النسخ الامام العادل، وفي بعضها الإمام العَدْل. (صحيح مسلم بشرح النووي:7/121) وجاء في الحديث الصحيح عن زُهَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا". (صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل) يبين النووي أن المقسطين هم العادلون، وقد فسره في آخر الحديث، والأقساط والقِسط بكسر القاف، العدل، يقال: أقسط أقساطاً، فهو مقسط، إذا عدل، قال الله تعالى: {...وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الحجرات:9) ويقال: قسط يَقسط، بفتح الياء، وكسر السين، قسوطاً وقسطاً، بفتح القاف، فهو قاسط، وهم قاسطون، إذا جاروا، قال الله تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً} (الجن:14) والقاسطون هنا هم الجائرون. الذين قال فيهم سبحانه: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً} (الجن:15) وأما المنابر فجمع منبر، سمي به لارتفاعه. (صحيح مسلم بشرح النووي:12/211) يذكر القاضي عياض أن أقسط: إذا عدل، وقسط: إذا جار، وقوله: "على منابر من نور": أصل تسمية المنبر لارتفاعه، فيحتمل أن يكون (منابر) كما ذكر على وجهها، أو منازل رفيعة وأماكن علية. (إكمال المعلم شرح صحيح مسلم:6/117) فضمن الحديث عن موضوع التحذير من الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر، تم الوقوف عند فوائد مستنبطة من حديث: "سَتَكُونُ أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا" وعند مناسبة أخرى للتحذير من الأثرة والأمر بمواجهتها بالصبر، وأن تولي الإمارة أمانة تلزمها كفاءة وتقوى، والإعراض عن تولية من يسأل الإمارة أو يحرص عليها، والإشادة بالإمام العادل. راجين التوفيق لمتابعة الوقوف عند المزيد من مسائل التحذير من الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر، حسب ما روي عن الرسول، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 6 ربيع الآخر 1448هـ |
| 2026-09-18 |