|
|
.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::. يحذر من الأثرة ويأمر بمواجهتها بالصبر - الحلقة السابعة ========================================================== |
|
عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ، عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً، فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ، إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ». (صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب من استرعى رعية فلم ينصح) ضمن الحديث عن التحذير من الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر، وقفت الحلقة السابقة عند فوائد مستنبطة من حديث: "سَتَكُونُ أَثَرَةٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا"(صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام) حيث بين النووي أن هذا الحديث من معجزات النبوة، ووقع هذا الإخبار متكرراً، ووجد مخبره متكرراً، وفيه الحث على السمع، وإن كان المتولي ظالماً عسوفاً، فيُعطى حقه من الطاعة، ولا يُخرج عليه، ولا يُخلع، بل يتضرع إلى الله تعالى في كشف أذاه، ودفع شره وإصلاحه. وتعرضت الحلقة كذلك لمناسبة أخرى تم التحذير فيها من الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر، تم فيها ربط تولي الإمارة بالأثرة، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، أجاب من طلب تولي المسؤولية، بذكر الأثرة، والأمر بالصبر حتى يتم اللقاء به، صلى الله عليه وسلم، يوم القيامة، وذلك على الحوض، ومعنى قوله: "ألا تستعملني؟"(صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم، للأنصار: «اصبروا حتى تلقوني على الحوض») أي ألا تجعلني عاملاً على الصدقة، أو متولياً على بلد؟ وتولي الإمارة تلزمها كفاءة وتقوى، والأصل في توليها أنها تكليف وليست للتشريف، فهي أمانة عظيمة، وقد حذر الرسول، صلى الله عليه وسلم، من الحرص على توليها، فقَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ". (صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة) واشتراط الكفاءة فيمن يتولى الإمارة، مهما كان مستواها، بينه الرسول، صلى الله عليه وسلم، لأَبِي ذَرٍّ لما قَالَ له: (إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَة، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا). (صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة) يذكر النووي أن هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات، لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية، وأما الخزي والندامة فهو في حق من لم يكن أهلاً لها، أو كان أهلاً ولم يعدل فيها، فيخزيه الله تعالى يوم القيامة، ويفضحه، ويندم على ما فرط، وقوله، صلى الله عليه وسلم، لأبي ذر: " إِنَّكَ ضَعِيفٌ"؛ أي: ضعيف عن القيام بما يتعّين على الأمير؛ من مراعاة مصالح رعيته الدنيوية والدينية. ووجْهُ ضعف أبي ذر عن ذلك أنّ الغالب عليه كان الزهد، واحتقار الدنيا، وترك الاحتفال بها. ومَنْ كان هذا حاله لم يعتن بمصالح الدنيا، ولا بأموالها الذَيْن بمراعاتهما تنتظم مصالح الدين، ويتم أمره. ولتولي الإمارة ضوابط وقيود، منها رفض منحها الذي يسألها ويطلبها أو يحرص عليها ويتشغف لها، والأحاديث تشيد بالأئمة العادلين المنصفين، الذين تولوا المسؤولية وكانوا أهلاً لها، وأدوا حق الله فيها، منها حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وعلى رأسهم الإمام العادل، ومعنى السبعة الذين يظلهم في ظله، أي في ظِلِّ رَحْمَتِه. لأنه يدفَعُ الأذَى عن الناس، كما يَدْفَع الظِّلُّ أذَى حَرّ الشمسِ. والإمام العادل: هو كل من إليه نظر في شيء من أمور المسلمين؛ من الولاة والحكام. لزوم نصح الرعية، وأداء مقتضى تحمل المسؤولية عنها الحديث المثبت نصه أعلاه، يبين لزوم تقيد الأمير الذي يتولى المسؤولية عن أي شأن من شؤون الناس بنصح رعيته، فيقدم لهم الخدمات التي يتحمل المسؤولية عنها تجاههم بإخلاص وتفانٍ، ويعدل بينهم في التوظيف والأجور وقضاء الحاجات، ومن لم يعمل وفق هذا المبدأ، فإن الجنة تحرم عليه، وقوله، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعاه اللهُ رَعِيَّةً" هو لفظٌ عامٌّ في كلِّ مَنْ كُلِّفَ حِفْظَ غيرِهِ؛ فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ يَقُولُ: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، قَالَ: فَسَمِعْتُ هَؤُلاَءِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». (صحيح البخاري، كتاب في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب العبد راعٍ في مال سيده، ولا يعمل إلا بإذنه) والرعايةُ: الحِفْظُ والصيانة، والغِشُّ: ضِدُّ النصيحة. وحاصلُهُ راجعٌ إلى الزجر عن أن يضيِّع ما أُمِرَ بحفظه، وأن يقصِّر في ذلك مع التمكُّنِ من فِعْلِ ما يتعيَّنُ عليه. (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم:1/284-285 بتصرف) وقوله: "فَلَم يَحُطْها" بفتح الياء، وضم الحاء، وسكون الطاء، من الحياطة، وهي الحفظ والتعهد؛ أي لم يحفظها، ولم يتعهد أمرها. وفي رواية أخرى متفق عليها: "إلا حَرَّمَ اللهُ عَليْهِ الجنّة" (صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار) أي ما من عبد كذا إلا حرم الله عليه الجنة. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري:35/216) يبين القاضي عياض أن التحذير هنا من غش المسلمين لمن قلده الله شيئاً من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونصبه خليفة لمصلحتهم، وجعله واسطة بينه وبينهم في تدبير أمورهم في دينهم ودنياهم. فإذا خان فيما اؤتمن عليه، ولم ينصح فيما قُلِّده، واستخلف عليه؛ إما بتضييع لتعريفهم ما يلزمهم من دينهم وأخذهم به، والقيام بما يتعين عليه من حفظ شرائعهم، والذب عنها لكل مُتَصَد لإدخال داخِلَةٍ فيها، أو تحريف لمعانيها، أو إهمال حدودهم، أو تضييع حقوقهم، أو ترك حماية حوزتهم ومجاهدة عدوهم، أو ترك سيرة العدل فيهم - فقد غشهم. (إكمال المعلم بفوائد مسلم:1/446) ومن روايات هذا الحديث الأخرى، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ: أَتَيْنَا مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ نَعُودُهُ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: «أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ». (صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب من استرعى رعية فلم ينصح) الصبر على إخفاقات الأئمة يعاضد حديث ابْنِ مَسْعُودٍ سالف الذكر في الحلقة السابقة، أحاديث أخرى في إطار معين تأمر بأداء حقوق الأئمة، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». (صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: «سترون بعدي أموراً تنكرونها») يبين ابن بطال أن في هذا الحديث وغيره حجة في ترك الخروج على أئمة الجور، ولزوم السمع والطاعة لهم، وأن الفقهاء مجمعون على أن الإمام المتغلّب طاعته لازمة، ما أقام الجمعات والجهاد، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء، ألا ترى قوله، صلى الله عليه وسلم، لأصحابه: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا»(صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: «سترون بعدي أموراً تنكرونها») فوصف أنهم سيكون عليهم أمراء يأخذون منهم الحقوق، ويستأثرون بها، ويؤثرون بها من لا تجب له الأثرة، ولا يعدلون فيها، وأمرهم بالصبر عليهم، والتزام طاعتهم، على ما فيهم من الجور. قال، صلى الله عليه وسلم، في حديث ابن عباس: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». (صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: «سترون بعدي أموراً تنكرونها») وفي حديث عبادة: دعانا النبي، صلى الله عليه وسلم، فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا «أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ». (صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: «سترون بعدي أموراً تنكرونها») فدل هذا كله على ترك الخروج على الأئمة، وألا يشق عصا المسلمين، وألا يتسبب إلى سفك الدماء وهتك الحريم، إلا أن يكفر الإمام، ويظهر خلاف دعوة الإسلام، فلا طاعة لمخلوق عليه. قال الخطابي: " بواحًا" يريد ظاهرًا باديًا، ومنه قوله: باح بالشيء، يبوح به بوحًا وبئوحًا، إذا أذاعه وأظهره. ومن رواه "براحًا" فالبراح بالشيء مثل البواح، أو قريب منه، وأصل البراح الأرض القفر التي لا أنيس فيها ولا بناء، وقال غيره: البراح: البيان، يقال: برح الخفاء؛ أي ظهر. (شرح صحيح البخاري-لابن بطال:10/8-9 بتصرف) يذكر السيوطي أن ميتة الجاهلية بكسر الميم، أي على صفة موتتهم؛ من حيث إنهم فوضى لا إمام لهم. (شرح السيوطي على مسلم:4/459) وَيوضح ابن حجر العسقلاني أن الْمُرَاد بِالْمِيتَةِ الْجَاهِلِيَّة، بِكَسْرِ الْمِيم، حَالَة الْمَوْت، كَمَوْتِ أَهْل الْجَاهِلِيَّة عَلَى ضَلَال، وَلَيْسَ لَهُ إِمَام مُطَاع، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ يَمُوت كَافِرًا بَلْ يَمُوت عَاصِيًا، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون التَّشْبِيه عَلَى ظَاهِره، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَمُوت مِثْل مَوْت الْجَاهِلِيّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ جَاهِلِيًّا، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ مَوْرِد الزَّجْر وَالتَّنْفِير، وَظَاهِره غَيْر مُرَاد. (فتح الباري لابن حجر:20/58) وقوله، صلى الله عليه وسلم: "تؤدون الحق الذي عليكم" قيل المراد بالحق السمع والطاعة للأئمة، ولا يخرج عليهم. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري:24/163) فضمن الحديث عن موضوع التحذير من الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر، تم الوقوف في هذه الحلقة عند لزوم نصح الرعية، من قبل الولاة والأمراء والأئمة والمسؤولين، وأداء مقتضى تحمل المسؤولية عنها، والصبر على إخفاقات الأئمة في إطار معين. راجين التوفيق لمتابعة الوقوف عند المزيد من مسائل التحذير من الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر، حسب ما روي عن الرسول، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 13 ربيع الآخر 1448هـ |
| 2026-09-25 |