|
|
.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::. يحذر من الأثرة ويأمر بمواجهتها بالصبر - الحلقة العاشرة والأخيرة ========================================================== |
|
خلال مخاطبة الله نبيه محمداً، صلى الله عليه وسلم، في سورة الضحى، أكد سبحانه أن الآخرة خير من الأولى، فقال تعالى: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى} (الضحى:4) ضمن الحديث عن التحذير من الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر، وقفت الحلقة السابقة -التاسعة- عند تأكيد النبي، صلى الله عليه وسلم، على أن الأنبياء لا يورثون، وما يترك وراءهم بعد موتهم من مال فهو صدقة، وذكر النووي أن الحكمة في أن الأنبياء، صلوات الله عليهم، لا يورثون؛ أنه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يتمنى موت النبي، فيهلك، ولئلا يظن بهم الرغبة في الدنيا لوارثهم، فيهلك الظان، وينفر الناس عنهم. وحال الأنبياء هذا يختلف عما يكون من الناس الآخرين غيرهم، فهو يورثون، بل يحبذ لهم أن يتركوا لورثتهم ما يستغنون به عن الحاجة إلى الناس بعدهم، وقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم، لسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ..."(صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس). أما توريث الملك والسيادة والخلافة مما ينبغي أن يسار إليه بالطرق والأساليب الشرعية، فينبغي أن لا يورث شيء من هذا لأحد بغير حق؛ لأن مثل هذا التوريث يندرج ضمن الأثرة المذمومة، التي منها التحيز للأقارب والمقربين على حساب الناس الآخرين، وقد نهى الله، جل في علاه، عن الجور لحساب الأقربين، وأمر بالعدل بين الناس، ولو كان ذلك على حساب مصالح الأحباب والأقارب والمقربين، فالأنبياء، عليهم السلام، عنوان وأسوة في العدل والقسط والإيثار، وإرثهم لم يكن ملكاً ولا مالاً يورث لمن يأتي بعدهم، وإنما ورثوا لغيرهم العلم النافع، والخير. وبمناسبة التحذير من الأثرة، أقسم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، على نفي استئثار الرسول، صلى الله عليه وسلم، بشيء من المال على أصحابه، وأنه لم يأخذها دونهم، فقال: "فَوَاللَّهِ مَا اسْتَأْثَرَ عَلَيْكُمْ، وَلا أَخَذَهَا دُونَكُمْ، حَتَّى بَقِيَ هَذَا الْمَالُ..."(صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفيء) والمسلمون أُمروا بتجنب محاباة الأقربين، وحثوا على نبذ الأثرة والأنانية، والحب السيء للذات، وشجعوا على أن يحب المرء منهم لغيره من الناس ما يحب لنفسه، وبذا تم ربط هذه المسألة السلوكية بالعقيدة والإيمان. فضل إيثار الآخرة التي هي خير الدنيا بمناسبة ختم الحديث عن التحذير من الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر، الذي تناولته الحلقات التسع السابقة، قد يكون من المناسب الوقوف عند إيثار مميز يتوج به الإيثار المحمود، وهو إيثار الآخرة على الحياة الدنيا، ففي الآية الرابعة من سورة الضحى المثبت نصها أعلاه، تأكيد رباني لنبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، وللمسلمين عموماً، بأن الآخرة خير من الأولى، فقال عز وجل: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى} (الضحى:4) ولما وقف الشيخ الشنقيطي عند تفسير قوله تعالى: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} (النحل:30) ذكر أَنَّ دَارَ الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا. وَكَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} (القصص:80) وَقَوْلِهِ: {...وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} (آل عمران:198) وَقَوْلِهِ تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (الأعلى: 16-17) وَقَوْلِهِ عز وجل: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ* قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (آل عمران:14-15) وَقَوْلُهُ، {خَيْرٌ} صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، حُذِفَتْ هَمْزَتُهَا؛ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ تَخْفِيفًا. (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن:2/370) ومن الآيات الدالة على فضل الآخرة على الدنيا، قوله تعالى: {وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} (الزخرف:35) فالدار الآخرة هي الجديرة بالإيثار، وليست دار الدنيا الفانية، التي وصفها سبحانه بمتاع الغرور، فقال سبحانه: {...وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} (آل عمران:185) ووصف سبحانه الحياة الدنيا باللعب واللهو، فقال عز وجل: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} (الحديد:20) خسارة الذي يؤثر الدنيا على الآخرة الأصل لدى المؤمنين العقلاء أنهم يؤثرون الآخرة على الدنيا، لكن كثيراً من غيرهم تغرهم الدنيا بحضورها ومشاهدتها وزينتها، فيميلون للعكس، ويعملون وفق منهج هذا الميل، وقد توعدهم الله بسبب هذا الانحراف في آيات قرآنية عدة، فقال عز وجل: {فَأَمَّا مَن طَغَى* وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} (النازعات:37-39) أي أن من يؤثر الحياةَ الدنيا الفانية، فانهمك فيما تمتع به فيها، ولم يستعد للحياة الآخرة الأبدية، بالإيمان والطاعة، {فإِنَّ الجحيم} التي ذكر شأنها هي مأواه. (البحر المديد:8/357) ويبين الطاهر بن عاشور أن المراد بالحياة الدنيا حظوظها ومنافعها الخاصة بها، أي التي لا تشاركها فيها حظوظ الآخرة، فالكلام على حذف مضاف، تقديره: نعيم الحياة. ويفهم من فعل الإيثار أن معه نبذاً لنعيم الآخرة. ويرجع إيثار الحياة الدنيا إلى إرضاء هوى النفس، وإنما يعرف كلا الحظين بالتوقيف الإلهي كما عرف الشرك وتكذيب الرسل والاعتداء على الناس والبطر والصلف، وما يستتبعه ذلك من الأحوال الذميمة. وملاك هذا الإيثار هو الطغيان على أمر الله، فإن سادتهم ومسيريهم يعلمون أن ما يدعوهم إليه الرسول هو الحق، ولكنهم يكرهون متابعته استكباراً عن أن يكونوا تبعاً للغير؛ فتضيع سيادتهم. وقد زاد هذا المفاد بياناً قوله بعده: {وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ}(النازعات:40) الآية. وبه يظهر أن مناط الذم في إيثار الحياة الدنيا هو إيثارها على الآخرة، فأما الأخذ بحظوظ الحياة الدنيا التي لا يفوت الأخذ بها حظوظ الآخرة؛ فذلك غير مذموم، وهو مقام كثير من عباد الله الصالحين، حكاه الله تعالى عن صالحي بني إسرائيل من قولهم لقارون: {وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا} (الْقَصَص: 77). (التحرير والتنوير:30/92) ويروى عن الإمام الغزالي توضيحه لإيثار الآخرة والدنيا في سياق بيانه لحقيقة الفكر وثمرته، فقال: اعلم أن معنى الفكر هو إحضار معرفتين في القلب، ليستثمر منهما معرفة ثالثة، ومثاله أن من مال إلى العاجلة، وآثر الحياة الدنيا، وأراد أن يعرف أن الآخرة أولى بالإيثار من العاجلة، فله طريقان: أحدهما أن يسمع من غيره أن الآخرة أولى بالإيثار من الدنيا، فيقلده ويصدقه، من غير بصيرة بحقيقة الأمر، فيميل بعمله إلى إيثار الآخرة، اعتماداً على مجرد قوله، وهذا يسمى تقليداً، ولا يسمى معرفة. والطريق الثاني: أن يعرف أن الأبقى أولى بالإيثار، ثم يعرف أن الآخرة أبقى، فيحصل له من هاتين المعرفتين معرفة ثالثة، وهو أن الآخرة أولى بالإيثار، ولا يمكن تحقق المعرفة بأن الآخرة أولى بالإيثار، إلا بالمعرفتين السابقتين، فإحضار المعرفتين السابقتين في القلب للتوصل به إلى المعرفة الثالثة يسمى تفكراً واعتباراً وتذكراً ونظراً وتأملاً وتدبراً. (جامع لطائف التفسير:19/110) وقد أشار القرآن الكريم لتقريع مؤثري الحياة الدنيا على الحياة الآخرة في آيات كريمة أخرى، منها قوله عز وجل في سورة الأعلى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى* بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (الأعلى: 14-17) ملخص عناوين هذه الحلقة والحلقات التسع السابقة ضمن الحديث عن موضوع التحذير من الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر، تم الوقوف في هذه الحلقة عند فضل إيثار الآخرة؛ التي هي خير من الدنيا، مع لفت الانتباه إلى خسارة الذي يؤثر الدنيا على الآخرة. وسبق في الحلقات السابقة الوقوف عند قضايا وموضوعات ذات صلة بأبعاد موضوع التحذير من الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر، فتم الوقوف عند: * بيان معنى الأثرة والإيثار، واشتراط الإنفاق من المال المحبوب لنيل البر، والوقوف عند خبر عن إيثار الأنصار المهاجرين، ودلالته السلوكية والأخلاقية والدينية. * تحذير مشابه من الأثرة، من خلال ذكر مناسبة أخرى من أحداث السيرة الواقعية مغايرة للتحذير من الأثرة، والوقوف عند اهتمام القائد بمعالجة ما يشغل بال أتباعه، وتباين مواقف الأتباع من الأحداث الجارية وما يخالطها من ملابسات، واستحضار التحذير من الأثرة، والأمر بمواجهتها بالصبر في الحالتين هذه وسابقتها. * رواية للحوار الذي تم بين الرسول، صلى الله عليه وسلم، والأنصار، بخصوص المشكلة التي طرأت بعد توزيع فيء هوازن، وتم بيان المعنى الإجمالي لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، والاطلاع على مقدمة للمناقشة المتروية والحوار الهادف، الذي جرى بين الرسول، صلى الله عليه وسلم، وفقهاء الأنصار بالخصوص. * بيان معنى الأَثَرَةٌ وَأُمُورٌ ينْكِرُها الصحابة والمسلمون، التي ستكون في حياة أمة الإسلام، والتوجيهات النبوية لمن يشهد الأثرة والأمور المنكرة والفتن. * فوائد مستنبطة من حديث: "سَتَكُونُ أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا"(صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام) وأن تولي الإمارة أمانة تلزمها كفاءة وتقوى، والإعراض عن تولية من يسأل الإمارة أو يحرص عليها، والإشادة بالإمام العادل. * لزوم نصح الرعية، وأداء مقتضى تحمل المسؤولية عنها، والصبر على إخفاقات الأئمة. وفضيلة حب الخير للآخرين، وأن ذلك من الإيمان، وفضيلة مميزة لحالة تم فيها رفض الإيثار. * إرث الأنبياء، عليهم السلام، وأنهم لم يورثوا مالاً، وإنما ورثوا العلم، وقول عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: "فَوَاللَّهِ مَا اسْتَأْثَرَ عَلَيْكُمْ، وَلاَ أَخَذَهَا دُونَكُمْ". راجين الله تعالى أن ينفع بهذا التذكير وهذه المعطيات من كان له قلب واع، وعينان مبصرتان، وهو القائل سبحانه: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى} (الأعلى:9) ويقول جل ذكره: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (ق:37) وصلى الله وسلم على رسولنا محمد، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 5 جمادى الأولى 1448هـ |
| 2026-10-16 |