.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

أعلم المسلمين أنهم إِنَّمَا بُعِثْوا مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ يبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ - الحلقة الأولى

==========================================================

عن أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ- أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ- فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ". (صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد)
حادثة تقرر نهايتها مبدأً معبراً عن سمة واضحة وملموسة من سمات الإسلام وخصائصه، فهو دين الله وصراطه المستقيم، من عمل به مؤمناً أُجر وفاز، ومن تنكب دربه خسر خسراناً مبيناً، ومن سمات هذا الدين اليسر والتيسير، فما جعل الله علينا فيه من حرج، ولم يكلفنا فيه بما لا نطيق، من هنا كان تعقيبه، صلى الله عليه وسلم، لأصحابه في هذه الحادثة بأن يكونوا ميسرين لا معسرين، انسجاماً مع سمات دينهم الذي حملوا أمانة الدعوة إليه، والعمل بمقتضاه.
فوائد لغوية
يبين العيني أن أصل أهريقوا: أريقوا. وقوله: "أو ذَنوباً من ماء" قال الكرماني: لفظ "من" زائدة، وزيدت تأكيداً، وكلمة "أو" يحتمل أن تكون من كلام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فتكون للتخيير، أو أن تكون من الرواي، فتكون للترديد، ويبين: أن الأمر ليس كذلك. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري:5/22-23)
والسَّجْل، مذكر الدلو ملأى ماءً، ولا يقال لها وهي فارغة سجل، فإذا لم يكن فيها ماء فهي دلو، وثلاثة أسجل، وهو السجال. (شرح صحيح البخاري -لابن بطال:1/331)
دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ
الرسول، صلى الله عليه وسلم، وجه إلى معالجة مسألة بول الأعرابي في المسجد، بأن يَدَعُوهُ وَيهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ -أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ- بعد أن تناوله الناس، أي بألسنتهم سباً وشتماً. قال الطيبي: أي وقعوا فيه يؤذونه، وقال ابن الملك: أخذوه للضرب، والأظهر زجروه ومنعوه من غير ضرب وإيذاء. (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح:2/424)
علل القاضي عياض هذا التوجيه النبوي بالخوف من قيام الأعرابي على تلك الحال، فينجِّس ثيابه ومواضع كثيرة من المسجد غير الأول. (إكمال المعلم شرح صحيح مسلم:2/58)
فقال لهم النبي، صلى الله عليه وسلم، دعوه أي اتركوه؛ فإنه معذور؛ لأنه لم يعلم عدم جواز البول في المسجد؛ لقربه بالإسلام، وبعده عنه، عليه الصلاة والسلام، وقيل: لئلا يتعدد مكان النجاسة، وقيل: لئلا يتضرر بانحباس البول. (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح:2/424) ما يعني التوجه لمعالجة هذا الخطأ الجسيم بما يمحو أثره ببساطة متيسرة، وبحكمة يُدرأ بموجبها الضرر بأقل كلفة وخسائر، وتَمثل هذا التوجيه بأمرهم بسكب ماء محدود القدر على الموضع المكاني الذي لامسه البول للتخلص من نجاسته، وفي تعقيب ابن بطال على اختلاف العلماء حول الحكم الفقهي لمسألة حكم الماء إذا غلب على النجاسة، فقال: إن الماء إذا غلب على النجاسة، ولم يظهر فيه شيء منها فقد طهرها، وأنه لا يضر ممازجة الماء لها إذا غلب عليها، سواء كان الماء قليلاً، أم كثيرًا. (شرح صحيح البخاري -لابن بطال:1/327-328)
روايات عن هذه الحادثة في الصحيحين
جاء في بعض روايات الصحيحين خلال ذكر هذه الحادثة استخدام ألفاظ على النحو الآتي:
"...فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ..." (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا»)
وله في رواية عن أنس: "...فَقَامُوا إِلَيْهِ..." (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله)
وفي رواية أنس أيضاً في هذا الباب: "...فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ". (صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب يهريق الماء على البول)
ولمسلم من طريق إسحاق عن أنس: "...فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: مَهْ مَهْ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: لاَ تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ". (صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد، وأن الأرض تطهر بالماء، من غير حاجة إلى حفرها)
فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ ولم تبعثوا معسرين
عقب صلى الله عليه وسلم، على تناول النَّاس الأعرابي الذي بال في المسجد، بقوله: "فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ".
يبين العيني أن قوله: "فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ" على الرغم من أن المبعوث هو رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما كان المخاطبون مقتدين به ومهتدين بهداه كانوا مبعوثين أيضاً، فجمع اللفظ باعتبار ذلك، والحاصل أنه على طريقة المجاز؛ لأنهم لما كانوا في مقام التبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك، أو لأنهم لما كانوا مأمورين من قبله بالتبليغ، فكأنهم مبعوثون من جهته.
وقوله: "ميسرين" حال، وفائدة قوله: "ولم تبعثوا معسرين" وقد حصل المراد من قوله: "بعثتم ميسرين" بأن هذا تأكيد بعد تأكيد، دلالة على أن الأمر مبني على اليسر قطعاً. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري:5/22-23)
يريد الله بعباده اليسر
جاء في صحيح البخاري: باب {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ}(البقرة:184). وفيه: قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَسَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ: نَسَخَتْهَا {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة:185) (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ}(البقرة:184))
وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ، صلى الله عليه وسلم: "نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ، وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَنَسَخَتْهَا {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}(البقرة:184) فَأُمِرُوا بِالصَّوْم. (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ}(البقرة:184))
يبين الطاهر بن عاشور، أن قوله تعالى: {... يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ...} تعليل لما تقدم من قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} (البقرة:83) إلى هنا، فيكون إيماء إلى أن مشروعية الصيام، وإن كانت تلوح في صورة المشقة والعسر؛ فإن في طيها من المصالح ما يدل على أن الله أراد بها اليسر؛ أي تيسير تحصيل رياضة النفس، بطريقة سليمة من إرهاق أصحاب بعض الأديان الأخرى أنفسهم. (التحرير والتنوير:2/173)
مبادئ للتيسير ومنطلقات له ومجالات
يروي ابن بطال عن الطبري أن معنى قوله: "يسروا ولا تعسروا" حسب ما جاء في حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا". (صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا) وذلك فيما كان من نوافل الخير، دون ما كان فرضاً من الله، وفيما خفف الله عمله من فرائضه في حال العذر؛ كالصلاة قاعدًا في حال العجز عن القيام، وكالإفطار في رمضان في السفر والمرض، وشبه ذلك فيما رخص الله فيه لعباده، وأمر بالتيسير في النوافل، والإتيان بما لم يكن شاقًا ولا فادحًا خشية الملل لها، وذلك أن أفضل العمل إلى الله أدومه، وإن قل، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ". (صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره).
وقال الطبري: وفي أمره، عليه الصلاة والسلام، بالتيسير في ذلك معان أحدهما: الأمان من الملال. والثانية: الأمان من مخالطة العجب قلب صاحبه، حتى يرى كأن له فضلاً على من قصر عن مثل فعله فيهلك، وأما اجتهاده، عليه الصلاة والسلام، في عبادة ربه؛ فإن الله كان خصهّ من القوة بما لم يخص به غيره، فكان ما فعل من ذلك سهلاً عليه على أنه، عليه الصلاة والسلام، لم يكن يحيي ليله كله قيامًا، ولا شهرًا كله صيامًا غير رمضان. (شرح صحيح البخاري- لابن بطال: 9/302-303، بتصرف)
دروس وعبر من هذا الحديث الشريف
استنبط العيني من حديث الأعرابي الذي بال في المسجد دروساً وعبر، منها:
*وجوب صيانة المساجد، وتنزيهها عن الأقذار والنجاسات، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، قال للأعرابي الذي بال في المسجد بعد أن انتهى من فعلته: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ». (صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد، وأن الأرض تطهر بالماء، من غير حاجة إلى حفرها)
*لفظ الذكر عام يتناول قراءة القرآن وقراءة العلم ووعظ الناس، والصلاة أيضاً عام، فيتناول المكتوبة والنافلة، ولكن النافلة في المنزل أفضل.
*المبادرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
*مبادرة الصحابة إلى الإنكار بحضرة النبي، صلى الله عليه وسلم، من غير مراجعة له، هذا ليس من باب التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله؛ لأن ذلك مقرر عندهم في الشرع من مقتضى الإنكار، فأمر الشارع متقدم على ما وقع منهم في ذلك، وإن لم يكن في هذه الواقعة الخاصة إذن، فدل على أنه لا يشترط الإذن الخاص، ويكتفي بالإذن العام.
*دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، فإن البول فيه مفسدة، وقطعه على البائل مفسدة أعظم منها، فدفع أعظمها بأيسر المفسدتين، وتنزيه المسجد عنه مصلحة، وترك البائل إلى الفراغ مصلحة أعظم منها، فحصل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.
*مراعاة التيسير على الجاهل، والتألف للقلوب.
*المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع؛ لأن الأعرابي حين فرغ أُمر بصب الماء. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري: 5 /18-20)
بهذا تم الوقوف في هذه الحلقة عند فوائد لغوية من حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، وحكم الماء إذا غلب على النجاسة، وذكر روايات عن هذه الحادثة في الصحيحين، وعند معنى قوله، صلى الله عليه وسلم: "فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ ولم تبعثوا معسرين"، وعند مغزى التأكيد على أن الله يريد بعباده اليسر، وعند مبادئ للتيسير ومنطلقات له ومجالات، وذكر بعض الدروس والعبر المستخلصة من هذا الحديث الشريف.
راجين الله أن يفقهنا بمعاني هذه القضايا ودلالاتها، وأن ييسر متابعة موضوع إعلام المسلمين أنهم إِنَّمَا بُعِثْوا مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ يبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، حسب ما جاء في الحديث الصحيح المروي عن نبينا محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
18 محرم 1448هـ

تاريخ النشر 2026-07-03
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس