.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يحدد أن لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ - الحلقة الأولى

==========================================================

جاء في صحيح البخاري بَابٌ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ"، وفيه عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "لاَ هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا".(صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا هجرة بعد الفتح)
وفيه، عَن مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: "جَاءَ مُجَاشِعٌ بِأَخِيهِ مُجَالِدِ بْنِ مَسْعُودٍ، إِلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: هَذَا مُجَالِدٌ يُبَايِعُكَ عَلَى الهِجْرَةِ، فَقَالَ: لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَكِنْ أُبَايِعُهُ عَلَى الإِسْلاَمِ"(التخريج نفسه).
وفيه، عن عَطَاء: "ذَهَبْتُ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ بِثَبِيرٍ - فَقَالَتْ لَنَا: انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ مُنْذُ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَكَّةَ"(التخريج نفسه).
هلَّ علينا قبل بضعة أيام عام هجري جديد، وبحلوله يكون قد مضى1447 عاماً على بداية التأريخ الهجري، المنسوب إلى الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، التي وجدت ظروف مواتية لها، فقد لقي المسلمون في مهد البعثة النبوية عداء صعباً، هدد وجودهم واستمرار دعوتهم، فكان لا مناص من البحث عن أرض تحتضنهم، ويأمنوا فيها على أنفسهم ودينهم، واستقر الأمر في نهاية المطاف باختيار المدينة المنورة مأوى للمسلمين ودعوتهم، واستمرت الهجرة قائمة حتى فتحت مكة من قبل المسلمين.
ثم تغيرت الظروف بعد فتح مكة المكرمة، وتغيرت الموازين والمعايير تبعاً لذلك، وتغيرت بعض الأحكام بأدلة جديدة، ومن ضمن ذلك توقف مسار الهجرة، كما ثبت في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: "لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية)
الدعوات المشبوهة للهجرة من فلسطين
بمناسبة الحديث عن الهجرة، يجوز التذكير بأن الحديث عن الهجرة من فلسطين قديم حديث، يُطرق بين الحين والآخر لأسباب مختلفة، وفي ظروف مختلفة أيضاً، وقد طُرق في الآونة الأخيرة بصوت مرتفع، ولغاية واضحة، خاصة في أواخر أيام الحرب على غزة، حيث كانت هناك مطالبة بتهجير أهل غزة إلى الخارج، بحجة ظاهرها رغد، وباطنها العذاب، فهناك مطالبة بتهجير أهل غزة منها ليعيشوا حياة فيها أمان ورخاء أكثر مما يجدونه في وطنهم، وفي المقابل يتحقق إفراغ غزة من أهلها، وإقامة عمران مكان الدمار الذي حل فيها، وتحقق هنا مصالح المحتل ومسانديه، وطرحت أماكن لهجرة أهل غزة منها دول عربية محيطة بها، وغيرها من دول العالم، وقد رُفضت هذه الدعوة بحزم منقطع النظير، فهدأت إلى حد ما الدعوة العامة للهجرة، لكنها بقيت تطرح بين الحين والآخر، وازدادت الضغوط والإغراءات لتحقيقها، ولم تقف مخططات تهجير الفلسطينيين عند الذين يقطنون غزة فحسب، بل ما زال العمل الدؤوب لتحقيقها جارياً في الضفة الغربية والقدس إضافة إلى غزة.
التهجير القسري من ديار المهجرين ظلم قديم حديث
ذكر القرآن الكريم وآياته تتنزل من لدن حكيم حليم خبير على قلب خاتم النبيين والمرسلين، صلى الله عليه وسلم، التهجير القسري الذي تمرس الظالمون على فرضه على بعض المستضعفين في الأرض، فقال تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ...} (الحج:40)
وقوم لوط فُرض التهجير الظالم على الصالحين منهم، وعن ذلك يقول جل شأنه: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} (النمل:56)
وأشار القرآن الكريم إلى تهجير الثلة الأولى من المسلمين من مكة المكرمة بلدهم، فقال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (الحشر:8)
فالتهجير الذي يجري العمل على فرضه على الفلسطينيين أفراداً وجماعات، هو سنة الظالمين وديدنهم النابع من غطرستهم واستقوائهم، سائلين الله أن يصد هذا الكيد، وأن يرده بقدرته وعظمته، وألا يجعل فينا من يقبل أن يكون وقوداً لهذه المعركة الظالمة، سواء تحت ضغط الظالمين، أو أمام إغوائهم وإغرائهم.
تحريم الهجرة الدائمة عن فلسطين
السفر المؤقت من فلسطين لغايات محددة؛ كالعمل أو الدراسة جائز شرعاً، بشرط توافر نية العودة الأكيدة للإقامة فيها. والهجرة الدائمة في ظل الظروف الراهنة لا تنبغي، إذ الواجب الشرعي والوطني يحتم على الفلسطينيين الرباط في ديارهم وعدم تركها لقمة سائغة للمحتلين والغزاة، أما الهجرة بنية الإقامة الدائمة فلا تنبغي، وعلى أبناء هذه الديار الرباط فيها.
وفتوى تحريم الهجرة الدائمة من فلسطين كثابت شرعي ووطني، تستند إلى أدلة دامغة من الشرع الحنيف، وتدبر حاذق بمآلات الأمور وعواقب الأفعال، من منظار شرعي واضح، فالهجرة لما فرضها الله على الرسول، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، رضي الله عنهم، كانت عملاً بأمر الله وفرضه، ونزلت بالخصوص آيات محكمات، فرضت الهجرة واشترطت القيام بها للقبول عند الله، ونيل رضاه سبحانه، واشترط لقبول الهجرة والإثابة عليها، أن يكون الباعث إليها طاعة الله، وابتغاء مرضاته سبحانه، ففي الحديث المشهور الصحيح عن عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". (صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم)
يبين ابن بطال أن هذا الحديث بين أن الهجرة منسوخة بعد الفتح، إلا أن سقوط فرضها بعد الفتح لا يسقطها عمن هاجر قبل الفتح، فدل أن قوله: "لا هجرة بعد الفتح" ليس على العموم؛ لأن الأمة مجمعة أن من هاجر قبل الفتح يحرم عليه الرجوع إلى وطنه الذي هاجر منه، كما حرم على أهل مكة الرجوع إليها، ووجب عليهم البقاء مع النبي، صلى الله عليه وسلم، والتحول معه حيث تحول؛ لنصرته ومؤازرته وصحبته، وحفظ شرائعه، والتبليغ عنه، وهم الذين استحقوا اسم المهاجرين، ومدحوا به دون غيرهم، ألا ترى أن النبي، صلى الله عليه وسلم" رثى سعد بن خولة أن مات بمكة في الأرض التي هاجر منها، ولذلك دعا لهم، فقال: "اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلاَ تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ". (شرح صحيح البخاري لابن بطال: 5/239)
والحديث المشار إليه آنفاً رواه البخاري في صحيحه عَن سَعْد بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلاَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لاَ، فَقُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: لاَ، ثُمَّ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ - أَوْ كَثِيرٌ - إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلاَ تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ البَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ، يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ". (صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب رثاء النبي، صلى الله عليه وسلم، سعد ابن خولة)
ويذكر ابن بطال عن أبي عبيد في كتاب (الأموال) أن الهجرة كانت على غير أهل مكة من الرغائب، ولم تكن فرضًا، وكانت الهجرة واجبة إذا أسلم بعض أهل البلد، ولم يسلم بعضهم، لئلا يجري على من أسلم أحكام الكفار، فأما إذا أسلم كل من في الدار فلا هجرة عليهم". (شرح صحيح البخاري لابن بطال: 5/239)
وحول حكم الهجرة من أرض فلسطين، صدرت فتوى تحمل الرقم 169 في سلسلة الفتاوى المحفوظة في أرشيف الفتاوى المنشورة على صفحة دار الإفتاء الفلسطينية، ونصها:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
فقد كثر الحديث في بلادنا فلسطين عن الهجرة، بخاصة بين صفوف الشباب، وذلك بسبب الأوضاع الأمنية والاقتصادية المتردية طلباً للرزق في بلاد أخرى، حيث التسابق على أبواب سفارات وممثليات الدول الغربية، طلباً للحصول على تأشيرة السفر والهجرة إلى تلك الدول بنية الإقامة الدائمة، وقد حرص الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم، والسلف الصالح من العلماء والأولياء والمجاهدين والمحررين، على الرباط في هذه الديار باعتبارها من أهم ثغور الإسلام والمسلمين.
وبناء على ما تقدم؛ فإن الهجرة من هذه الديار المباركة إلى بلاد أخرى، بنية الإقامة الدائمة لا تجوز شرعاً، وعلى أبناء هذه الديار التمسك بالسكن فيها، والرباط فيها، ولا يتركوها للغزاة والمحتلين، وحسبهم شرفاً أن يكونوا سدنة مسجدها الأقصى المبارك، الذي تشد إليه الرحال، ويضاعف الله فيه الثواب، أما السفر المؤقت إلى بلاد أخرى لطلب العلم أو العمل فجائز، شريطة العزم على العودة والإقامة في هذه البلاد المباركة بعد انتهاء المهمة المشروعة التي تم السفر لأجلها.
والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل، ونسأله سبحانه أن ييسر متابعة الحديث عن وقف لزوم الهجرة بعد الفتح، حسب الثابت عنه، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
4 محرم 1448هـ

تاريخ النشر 2026-06-19
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس