.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يكثر من الحلف بمقلب القلوب - الحلقة الأولى

==========================================================

عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَحْلِفُ: "لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ". (صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب مقلب القلوب)
يتضمن هذا الحديث ثلاث قضايا رئيسة يمكن التعريف بها، تتمثل في: الحلف، والتقليب، والقلوب. والقضية الأوسع نطاقاً منها، هي قضية القلوب وأحوالها، والحلف بالله مقلبها، وقد يكون من المفيد الحديث أولاً عن الحلف من حيث معناه وبعض أحكامه، ثم الحديث عن التقلب، والتغير من حال إلى آخر، خاصة تغير أحوال القلوب، وأنواع تلك الأحوال، في ضوء ما ذكر بهذا الشأن في القرآن الكريم، والسنة النبوية.
معنى الحلف وبعض أحكامه
الحِلْفُ والحَلِفُ القَسَمُ، لغتان، حَلَفَ أَي أَقْسَم (لسان العرب، 9 /53)، وجاء في القاموس الفقهي أن معنى حلف حلفاً: أقسم، وفي القرآن الكريم: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ} (التوبة: 62). (القاموس الفقهي، ص98)
والحِنْثُ الخُلْفُ في اليمين، حَنِثَ في يمينه حِنْثاً وحَنَثاً: لم يَبَرَّ فيها. (لسان العرب، 2 /138)
وحيث إن الحديث أعلاه ربط فيه الحلف بتقليب القلوب، فهذا مسوغ للبدء بالحديث عن الأمرين، الحلف وتقليب القلوب.
فيراد بالحلف اليمين، التي يقسم بها المرء على أمر ما، سواء أكان ماضياً، فيكون القسم على صدق الخبر، أم القسم على العزم على القيام بفعل في الحاضر أو المستقبل، وهنا يكون التأكيد والجزم على العزم على القيام بالفعل، وللحلف والأيمان أحكام وضوابط شرعية، حفلت بتفاصيلها المراجع الفقهية، ويكتفى هنا بالإشارة المجملة المختارة لشيء منها، دون الخوض في تفاصيلها.
والأصل في الحلف أن لا يكون بغير الله، لما جاء عن عَبْدِ اللهِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ". (صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب كيف يستحلف)
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ: "أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ". (صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم)
وعن ابْن عُمَرَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ". قَالَ عُمَرُ: فَوَاللهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا" قَالَ مُجَاهِدٌ: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} (الأحقاف: 4) يَأْثُرُ عِلْمًا". (صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم)
أنواع الأيمان من حيث معناها والأحكام التي تترتب عليها
تنقسم الأيمان إلى ثلاثة أقسام رئيسة، هي: لغو ومنعقدة وغموس.
واللغو: هي التي تُحلف دون قصد من الحالف، أو التي تحلف عن أمر مضى على خلاف الحقيقة، دون علم الحالف بذلك قبل الحلف، وهذه لا تلزمها الكفارة، يذكر د. محمد محمود حجازي أن اليمين اللغو كقولك تأكيداً لكلامك: لا واللّه، وبلى واللّه، من غير قصد، وعند أبي حنيفة: أن يحلف على شيء يعتقد أنه حصل خلافه، فذاك لغو اليمين. (التفسير الواضح، 1 /141)
واليمين المنعقدة: هي التي تُحلف على فعل أمر في المستقبل القريب أو البعيد أو تركه، فإن تم الحنث تجب الكفارة، المذكورة في قوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (المائدة:89)، والرسول، صلى الله عليه وسلم، يقول: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِهَا، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ». (صحيح مسلم، كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها)
أما اليمين الغموس: فهي التي تُحلف كذباً عن أمر مضى، ويعلم الحالف أنه كاذب يخالف الحقيقة والواقع، وسميت غموساً؛ لأنها تغمس الحالف بها في النار، وجمهور العلماء أن هذه لا كفارة لها، ويلزمها التوبة والاستغفار فقط، والله جل ذكره ذم الحلّاف المهين، فقال عز وجل: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ} (القلم:10) والحلاف المهين هو الحقير الذليل الكذاب، والمهانة تعتري الإنسان من قلة الرأي والتمييز، وكثرة الكذب، وعدم المبالاة بما يقع منه. (بيان المعاني، 1/104)
ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". (صحيح البخاري، كتاب الخصومات، باب كلام الخصوم بعضهم في بعض)
وقد ورد النهي بشكل عام عن كثرة الحلف، فقال تعالى: {وَلا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة:224) وقال جل شأنه: { وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ} (المائدة: 89) يقول الشيخ عبد القادر الديرزوري: وترك الحلف والتباعد عنه محمود عند العرب، حتى إنهم يصفون قليله بأقوالهم، قال كثير:
قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الأليّة برّت
أي كان لم يقصد الحلف، ولكن سبق لسانه به، ومع هذا فإنه يبر بها احتراماً لشأنها. فتوقي اليمين من البر، والتباعد عنه من التقوى، والرجوع الى ما هو الأحسن من الإصلاح. (بيان المعاني، 5 /185)
جاء في صحيح البخاري قَوْله: "بَاب كَيْف كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يذكر ابن حجر أن المراد أَيْ الَّتِي كَانَ يُوَاظِب عَلَى الْقَسَم بِهَا أَوْ يُكْثِرُ، وَجُمْلَة مَا ذُكِرَ فِي الْبَاب أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ: أَحَدهَا: "وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وَكَذَا "نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ"، فَبَعْضهَا مُصَدَّرٌ بِلَفْظِ لَا، وَبَعْضُهَا بِلَفْظِ أَمَا، وَبَعْضهَا بِلَفْظِ "اَيْم"، ثَانِيهَا: "لَا وَمُقَلِّب الْقُلُوب". ثَالِثهَا: "وَاَللَّهِ" رَابِعهَا: "وَرَبِّ الْكَعْبَةِ". (فتح الباري، 18 /482)
الحلف بمقلب القلوب
عبد الله بن عمر يخبر عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح المثبت نصه أعلاه، أنه كان أَكْثَرُ مَا كَانَ يَحْلِفُ: "لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ". أي: لا أفعل كذا أو لا أقوله وحق مقلب القلوب. (حاشية السندي على صحيح البخاري، 4 /134)
يبين العيني أن قوله: "كثيراً" نصب على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره يحلف حلفاً كثيراً مما كان يريد أن يحلف به من ألفاظ الحلف. وقوله: "لا" فيه حذف، نحو لا أفعل، أو لا أترك وحق مقلب القلوب، وهو الله عز وجل، والواو فيه للقسم، قال الكرماني: "مقلب القلوب" أي يقلب أغراضها وأحوالها من الإرادة وغيرها، إذ حقيقة القلب لا تنقلب، وفيه دلالة على أن أعمال القلوب من الإرادات والدواعي وسائر الأغراض بخلق الله تعالى، كأفعال الجوارح. (عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 33 /449)
ويبين محمد عبد الرحمن المباركفوري أن قوله: "لا ومقلب القلوب" لا لنفي الكلام السابق، ومقلب القلوب هو المقسم به، والمراد بتقليب القلوب تقليب أحوالها، لا تقليب ذواتها. وفيه جواز تسمية الله بما ثبت من صفاته على وجه يليق به. قال القاضي أبو بكر بن العربي: في الحديث جواز الحلف بأفعال الله تعالى إذا وصف بها، ولم يذكر اسمه تعالى. وفرق الحنفية بين القدرة والعلم، فقالوا إن من حلف بقدرة الله تعالى انعقدت يمينه، وإن حلف بعلم الله تعالى لم تنعقد؛ لأن العلم يعبر به عن المعلوم، كقوله تعالى: {...قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا...} (الأنعام:148)، والجواب أنه هنا مجاز إن سلم أن المراد به المعلوم، والكلام إنما هو في الحقيقة.
قال الراغب: تقليب الله القلوب والأبصار صرفها عن رأي إلى رأي، قال: ويعبر عن القلب عن المعاني التي تختص به من الروح والعلم والشجاعة. (تحفة الأحوذي، 5 /120)
ويبين ابن بطال أن معنى ذلك تقليبه قلب عبده عن إيثار الإيمان إلى إيثار الكفر، وعن إيثار الكفر إلى إيثار الإيمان، وكان فعل الله ذلك عدلاً فيمن أضله وخذله؛ لأنه لم يمنعهم حقًا وجب عليه، فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم، لا ما وجب لهم وأضلهم؛ لأنهم ملك من ملكه، خلقهم على إرادته، لا على إرادتهم، فكان ما خلق فيهم من قوة الهداية، والتوفيق على وجه الفضل. (شرح صحيح البخاري لابن بطال، 10 /324)
وفي نسبة تقلب القلوب أو تصرفها إشعار بأنه يتولى قلوب عباده، ولا يكلها إلى أحد من خلقه. وقال الطيبي: ومصرف القلوب إنشاء قسم، وفيه أن أعمال القلب من الأدوات والدواعي وسائر الأعراض بخلق الله، وجواز تسمية الله بما صح من صفاته على الوجه اللائق، وجواز الحلف بغير تحليف. قال النووي: بل يندب إذا كان لمصلحة؛ كتأكيد أمر مهم، ونفي المجاز عنه، وفي الحلف بهذه اليمين زيادة تأكيد؛ لأن الإنسان إذا استحضر أن قلبه وهو أعز الأشياء عليه بيد الله، يقلبه كيف يشاء، غلب عليه الخوف، فارتدع عن الحلف على ما لا يتحقق. (فيض القدير، 5 /167)
فالحلف يكون عادة بأمور يعظمها الحالف، وإكثار الرسول، صلى الله عليه وسلم، من الحلف بمقلب القلوب، يدل على اختيار صفة لله المعظم لدى الحالف نبينا، عليه الصلاة والسلام، وصفاته الجليلة كثيرة، واختيار هذه الصفة للإكثار من الحلف بها يدل على أهميتها، فالقلوب لها أحوال مختلفة، وتتأثر بمؤثرات كثيرة، وقد عني القرآن الكريم، بذكر بعض هذه الأحوال والمؤثرات في سياقات قرآنية عديدة، مع لفت الانتباه إلى أفعال الله فيه، ومن ذلك تقليب أحوالها من حال لآخر، لغايات ربانية، ولأسباب يقتضيها التقليب.
فهذه مقدمة تتعلق بالحديث عن إكثاره، صلى الله عليه وسلم، من الحلف بمقلب القلوب، تم فيها الوقوف عند معنى الحلف وبعض أحكامه، والحلف بالله فقط، وأنواع الأيمان من حيث معناها والأحكام التي تترتب عليها، والحلف بمقلب القلوب، راجين الله العلي القدير أن ييسر متابعة الوقوف عند المراد بأحوال القلوب المحلوف بمقلبها سبحانه، وصلى الله وسلم، على نبينا محمد، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
20 رجب 1447هـ

تاريخ النشر 2026-01-23
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس