قيام ليلة القدر إيمانا واحتساباً
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من صام رمضان إيماناً واحتساباً ونية)
ضمن الحديث عن حَلْفِ الرسول، صلى الله عليه وسلم، بمقلب القلوب، تعرضت الحلقة السابقة لموضوع الإخلاص في الأعمال التي تقدم في سبيل الله، بمناسبة الذكرى السنوية ليوم الفرقان والفتح الأعظم، حيث تم التذكير بأهمية الإخلاص في المقاصد القلبية للقيام بهذه الأعمال، فاشترط الإيمان والاحتساب لقبولها كما في الصيام والقيام، والمثوبة عليهما، وذلك من لوازم قبول الأعمال جميعها، خاصة التعبدية منها، فالقتال في سبيل الله يشترط له صفاء قلبي خاص ليقبل، وإلا فالعاقبة وخيمة، ومن لم يتوجه بقلبه قاصداً وجه الله وهو يقاتل في سبيل الله، أو يقرأ القرآن ويعلمه، أو يتعلم والعلم ويعلمه، أو وهو يتصدق في سبل الخير، فسيذهب عمله هباء منثوراً، فالصيام يلزمه الإيمان والاحتساب، وكذلك الجهاد في سبيل الله، وقراءة القرآن وتعليمه، ومثل ذلك الهجرة، التي ضرب الرسول، صلى الله عليه وسلم، بها المثل التطبيقي الذي يفرق فيه بين من يقدم العمل في سبيل الله، أو في أي سبيل آخر، وبين الذي يقصد بها غير هذا الهدف، فينبغي للعابد والعامل في سبيل الله، أن يحرصا على الانطلاق من قلوب مخلصة نقية من شوائب الرياء والمنافع الدنيوية، ومما يساعد في التوفيق لتحقيق هذا المقصد، دعاء مقلب القلوب سبحانه أن يثبتنا على الحق، وأن يجعل أعمالنا خالصة لله، إلى جانب استشعار نتائج المسارين، مسار الذي يحقق لأصحابه الرضا، ويمنحهم المثوبة العظيمة، وبين الآخر الذي يحرم أصحابه من الأجر، إلى جانب ما يلحقهم من عقاب للتظاهر بغير المكنون في القلوب، والزيغ عن الجادة.
ليلة القدر وأهميتها وفضلها
شهر رمضان المبارك فيه ليلة خير من ألف شهر، ولأهمية هذه الليلة أنزل الله باسمها سورة قرآنية، تضمن ذكر بعض فضائلها، ففيها أنزل الله القرآن، وهي خير من ألف شهر، وفيها تنزل الملائكة والروح، بإذن الله، سلام هي حتى مطلع الفجر، وقد سميت بذلك لعظم قدرها؛ أي ذات القدر العظيم؛ لنزول القرآن فيها، ووصفها بأنها خير من ألف شهر، أو لما يحصل لمحييها بالعبادة من القدر الجسيم، أو لأن الأشياء تقدر فيها، وتقضي لقوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} (الدخان: 4)وتقدير الله تعالى سابق، فهي ليلة إظهار الله تعالى ذلك التقدير للملائكة. (حاشية السندي على صحيح البخاري، 1 /263)
وفي صحيح البخاري: كِتَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ* سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} (القدر:1-5) قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: "مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ": {مَا أَدْرَاكَ} (الانفطار: 18)، فَقَدْ أَعْلَمَهُ، وَمَا قَالَ: {وَمَا يُدْرِيكَ} (الأحزاب: 63) فَإِنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهُ.(صحيح البخاري، كتاب فضل ليلة القدر، باب فضل ليلة القدر)
وقت ليلة القدر
ليلة القدر متفق على أنها في شهر رمضان المبارك، وقد جعل تحديد يومها منه غير مجزوم فيه، وبالتالي فُتح الباب واسعاً للاجتهاد في تحريها، والأحاديث النبوية الصحيحة المخبرة عن ذكر يومها عديدة، منها حديث أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَقُلْتُ: أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ نَتَحَدَّثُ؟ فَخَرَجَ، فَقَالَ: قُلْتُ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَشْرَ الْأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ، وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ، فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَقَامَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ، وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالْمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَرْنَبَتِهِ، تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ". (صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب السجود وعلى الأنف والسجود وعلى الطين)
وعَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ، مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ". (صحيح البخاري، كتاب فضل ليلة القدر، باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر)
وعن مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ". (صحيح البخاري، كتاب فضل ليلة القدر، باب التماس ليلة القدر في السبع الأواخر)
فالملاحظ أن ليلة القدر لم يحدد وقتها في الأحاديث الصحيحة على وجه الجزم، مما يوحي أن الباب فتح للاجتهاد في تقديم مزيد من العبادة في ليالي رمضان، خاصة في العشر الأواخر منها، وهناك عبادات أخرى ترك القطع بتحديد زمنها للغاية نفسها، كساعة يوم الجمعة التي يستجاب فيها الدعاء، وساعة إجابة الدعاء من الليل، وغير ذلك من الأعمال.
فليلة القدر عظيمة الشأن، وهي جديرة بالتحري لبذل الجهد، وتكثيفه لتقديم الطاعة المستطاعة في صورها وأشكالها المختلفة، من صلاة وقيام واعتكاف وذكر ودعاء، وإخراج الصدقات الواجبة والتطوعية لنيل مرضاة الله، والفوز بجائزته العظيمة المتمثلة بمغفرة الذنوب، ونيل الرضوان، وجنة النعيم الخالد.
قيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً
وعد الله من يقيم ليلة القدر إيماناً واحتساباً أن يغفر له ما تقدم من ذنبه، كما جاء في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، المثبت نصه أعلاه، وعلى الرغم من أن هذا الوعد العام يشمل من يقوم ليالي رمضان جميعها، فقد خصت ليلة القدر التي هي واحدة منها، بالمثوبة نفسها، بالشرط نفسه، وهو القيام إيماناً واحتساباً، وهو قيد بالغ الأهمية والأثر، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأحوال القلوب التي يقلبها الله، فمقصد الإيمان والاحتساب منطلقه القلب، من المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، ويذكر أبو عامر الطيماوي أنه قد صحت أحاديث عدة في إخلاص النية كحديث عائشة عند البخاري: "يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ"(صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من صام رمضان إيماناً واحتساباً)، وحديث ابن عباس: "وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ "(صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب ما جاء إن الأعمال بالنية والحسبة...)، وحديث أبي موسى: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"(صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا)، إلى غير ذلك مما يتعسر حصره، وعرف بهذا التقرير صحة القول بتواترها المعنوي. (دراسة في الحديث الموضوعي، ص44)
معنى النية التي يتحقق بها الاحتساب، وكيف تكون؟
ضمن شرح الحديث المشهور: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (صحيح البخاري، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم)، روي عن الفضل بن زيادٍ أنه قال: سألتُ أبا عبد الله -يعني: الإمام أحمدَ بن حنبل- عَنِ النِّيَّةِ في العملِ، قلت: كيف النيةُ؟ قالَ: يُعالجُ نفسَه، إذا أراد عملاً لا يريدُ به النّاس. وقال أحمدُ بنُ داودَ الحربي: حدَّث يزيدُ بن هارونَ بحديثِ عمر: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" وأحمدُ جالسٌ، فقال أحمد ليزيدَ: يا أبا خالدٍ، هذا الخناقُ.
يذكر ابن رجب الحنبلي أن الأعمال واقعة، أو حاصلةٌ بالنِّيَّاتِ، فيكونُ قول: " إنّما الأعمال بالنيات" إخباراً عن الأعمالِ الاختيارية، أنّها لا تقعُ إلاّ عَنْ قصدٍ مِنَ العاملِ، وهو سببُ عملها ووجودِها، ويكونُ قولُه بعدَ ذلك: "وإنَّما لكل امرىءٍ ما نوى" إخباراً عن حكمِ الشَّرع، وهو أنَّ حظَّ العاملِ مِنْ عمله نيَّتُه، فإنْ كانت صالحةً فعملُهُ صالحٌ، فله أجرُ، وإن كانت فاسدةً فعمله فاسدٌ، فعليه وِزْرُهُ.
ويضيف أنه يحتمل أن يكون التَّقدير في قوله: "الأعمال بالنيات": الأعمالُ صالحةٌ، أو فاسدةٌ، أو مقبولةٌ، أو مردودةٌ، أو مثابٌ عليها، أو غير مثاب عليها، بالنيات، فيكونُ خبراً عن حكمٍ شرعي، وهو أنَّ صلاحَ الأعمال وفسادَها بحسب صلاحِ النِّياتِ وفسادِها.
ويبين ابن رجب أنّ النيَّةَ في اللُّغة نوعٌ من القَصدِ والإرادة، وأنها في كلام العُلماء تقعُ بمعنيين:
أحدهما: بمعنى تمييز العباداتِ بعضها عن بعضٍ، كتمييزِ صلاة الظُّهر مِنْ صلاةِ العصر مثلاً، وتمييزِ صيام رمضان من صيام غيرِه، أو تمييز العباداتِ مِنَ العادات، كتمييز الغُسلِ من الجَنَابةِ مِنْ غسل التَّبرُّد والتَّنظُّف، ونحو ذلك، وهذه النيةُ هي التي تُوجَدُ كثيراً في كلامِ الفُقهاء في كتبهم.
والمعنى الثاني: بمعنى تمييزِ المقصودِ بالعمل، وهل هو لله وحده لا شريكَ له، أم غيره، أم الله وغيرُه، وهذه النيّة هي التي يتكلَّمُ فيها العارفُونَ في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي تُوجَدُ كثيراً في كلام السَّلَفِ المتقدّمين.
وقد صنَّفَ أبو بكر بنُ أبي الدُّنيا مصنَّفاً سمَّاه: كتاب (الإخلاص والنية)، وإنّما أراد هذه النية، وهي النيةُ التي يتكرَّر ذكرُها في كلام النَّبيِّ، صلى الله عليه وسلم، تارةً بلفظ النيةِ، وتارةً بلفظ الإرادة، وتارةً بلفظٍ مُقاربٍ لذلك، وقد جاء ذكرُها كثيراً في كتابِ الله، عز وجل، بغيرِ لفظِ النِّيَّةِ أيضاً مِنَ الألفاظ المُقاربةِ لها. (جامع العلوم والحكم، 3 /9-12 بتصرف)
وبناء على هذا التوضيح وما شابهه مما ورد في المأثور وبيانات العلماء وشروحهم، تظهر أهمية النية القلبية في تحديد جزاء الأعمال، مما يستدعي التنبه لذلك دائماً، وضرورة بذل الجهد للحرص على نقاء النية وصفائها، كسبيل شرعي أكيد لنيل المثوبة على الأعمال، بفضل الله ورحمته.
فعلى الصائمين القائمين لليالي شهر رمضان، وخاصة ليلة القدر أن يوطدوا أنفسهم، ويعقدوا مقاصدهم على انتهاز هذه الفرصة الثمينة للتقرب إلى بارئهم بالفرض والتطوع، انطلاقاً من إيمان واحتساب صادقين، ليفوزوا بمغفرة الله لهم، والسبيل لذلك يسير لمن وفقه الله وهداه لنقاء النية القلبية، وللعزم القلبي الخالص.
فضمن الحديث المنبثق عن الحلف بمقلب القلوب، وبمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، تم الوقوف هنا عند ليلة القدر وأهميتها وفضلها، ووقتها، وقيامها إيماناً واحتساباً، ومعنى النية التي يتحقق بها الاحتساب، وكيف تكون؟ حسب ما ثبت في الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث الصحيحة المروية عن نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
24 رمضان 1447هـ