جزاء الصيام والقيام مرتبط أولا ًبالمقصد القلبي
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". (صحيح البخاري، كتاب فضل ليلة القدر، باب فضل ليلة القدر)
بمناسبة استقبال شهر رمضان المبارك، وقفت الحلقة السابقة عند التذكير باعتماد قبول الأعمال أو رفضها ومنها الصيام على النيات، فإنما الأعمال بالنية، والنوايا تنبعث من القلوب، التي يُقَلبها الله كيف يشاء، وسبحانه مطلع على النوايا والخفايا، ويجازي على الأعمال جميعها بناء على البواعث الدافعة إليها، "فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" وهكذا الأعمال التعبدية، ومنها الصيام، وغيرها من الأعمال، يعتمد الموقف الشرعي منها، والجزاء عليها، بناء على نوايا أصحابها، ومن أحكام الصيام المرتبطة بالمقصد القلبي، تبييت نية الصيام في ليالي رمضان قبل الفجر، فيلزم الصائم التوجه لله رب العالمين بنية الشروع في الصيام خالصاً لوجهه الكريم سبحانه، ويتعلق بهذا الشرط الرئيس تحديد زمن الشروع بنية الصيام، وقد فصل العلماء في هذه المسألة، واختلفوا في بعض جوانبها، وجمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة يوجبون تبييت النية قبل طلوع فجر يوم صيام رمضان، أو القضاء والنذور، والصيام الواجب بشكل عام، مستندين إلى حديث حَفْصَةَ: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ ، فَلاَ صِيَامَ لَهُ"(سنن الترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل، صححه الألباني). أي من لم ينو الصيام قبل طلوع الفجر لم يجزه، ويستثنى من ذلك صيام التطوع، فمباح له أن يُنوى بعد الصبح، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحق، مستندين إلى أدلة صحيحة، أورد بعضها الإمام مسلم في صحيحه ضمن باب: "جَوَازِ صَوْمِ النَّافِلَةِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَجَوَازِ فِطْرِ الصَّائِمِ نَفْلاً مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ". واستند بعض العلماء، ومنهم الشافعي وموافقيه إلى بعض هذه الأدلة في إباحة قطع صوم النافلة، والأكل في أثناء النهار، ويبطل الصوم؛ لأنه نفل، فهو إلى خيرة الإنسان في الابتداء، وكذا في الدوام، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز قطعه، ويأثم بذلك، وأوجبوا قضاءه على من أفطر بلا عذر، قال ابن عبد البر: وأجمعوا على ألا قضاء على من أفطره بعذر، والله أعلم.
ومن فروع هذه القضية مسألة كفاية النية في أول ليلة في رمضان عن بقية الليالي، التي اختلف العلماء في حكمها، فلا بدَّ لكل يوم من نية عند الجمهور، استناداً إلى حديث حفصة، وعند المالكية أول نية من رمضان تكفي؛ لأنها كلها عبادة واحدة.
معنى الإيمان والاحتساب المشروطان لقبول الأعمال ومنها الصيام والقيام
معنى "إيماناً" تصديقاً بأنه حق مقتصد فضيلته، ومعنى "احتساباً" أن يريد الله تعالى وحده، لا يقصد رؤية الناس، ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص. (صحيح مسلم بشرح النووي، 3 /101)
وقيل: معنى "إيماناً واحتساباً" أي: طلباً للأجر، وهما في الإعراب مفعول له؛ أي الحامل له على ذلك الإيمان بالله، أو بما ورد في فضله مثلاً. وكذا الحامل له طلب الأجر من الله، لا الرياء والسمعة. (حاشية السندي على صحيح البخاري، 1 /252-253)
من هنا تتبين بوضوح الصلة الوثيقة بين جزاء الصيام والقيام، وبين أعمال قلوب الذين يقومون بهما، فمن قصد بصيامه وقيامه نيل مرضاة الله، يختلف عمن افتقر لهذا الشرط، فالعبرة إذن بوضع القلب وحالته، وهو الذي قال عنه الرسول، صلى الله عليه وسلم: "أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ" (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه)، فيا مقلب القلوب ارزقنا قلوباً صالحة، وعملاً متقبلاً.
المراد بقيام رمضان وحكمه وكيفيته
يبين النووي أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، واتفق العلماء على استحبابها، واختلفوا في أن الأفضل صلاتها منفرداً في بيته، أم في جماعة في المسجد؟ فقال الشافعي وجمهور أصحابه، وأبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة، كما فعلها عمر بن الخطاب والصحابة، رضي الله عنهم، واستمر عمل المسلمين عليه؛ لأنه من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة العيد، وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم: الأفضل فرادى في البيت؛ لما رواه زَيْد بْن ثَابِتٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اتَّخَذَ حُجْرَةً، قَالَ: - حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مِنْ حَصِيرٍ- فِي رَمَضَانَ، فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ، إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ". (صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب صلاة الليل)
وصيغة: "من قام رمضان" تقتضي الترغيب والندب دون الايجاب، واجتمعت الأمة على أن قيام رمضان ليس بواجب، بل هو مندوب. (صحيح مسلم بشرح النووي، 6 /40، بتصرف)
أجر الاحتساب في الصيام والقيام
كون الصيام والقيام مشترط لقبولهما، قصد وجه الله فيهما، يعني لا بد لهما من الانطلاق من بواعث قلبية مخلصة وصادقة، وقد تم إبراز هذا الشرط في الأحاديث النبوية الشريفة التي وعد فيها الصائمون والقائمون بالمغفرة، فاشترط الإيمان والاحتساب لنيل هذه الجائزة العظيمة، كما هو واضح في حديث أبي هريرة المثبت نصه أعلاه، الذي ذكرت روايات عدة له في الصحيحين، ومن ذلك في رواية صحيحة تقدم فيها ذكر ليلة القدر على الصيام، بخلاف الرواية أعلاه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من صام رمضان إيماناً واحتساباً ونية)
وفي روايات أخرى اقتصر الذكر على الصيام، وأخرى على القيام، واقتصر في بعضها على قيام ليلة القدر على وجه الخصوص، وفي المحصلة فإن الصيام وقيام ليالي رمضان، ومنها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، يلزم ذلك كله إخلاص النوايا القلبية لله، بحيث لا يراد بهذه الأعمال سوى الله، وأن تتم وفق شرع الله، وعلى الوجه الذي يرضيه سبحانه.
يبين النووي أن المعروف عند الفقهاء بشأن غفران ذنوب الصائم والقائم المحتسبين، مختص بغفران الصغائر دون الكبائر، قال بعضهم: ويجوز أن يخفف من الكبائر ما لم يصادف صغيرة. (صحيح مسلم بشرح النووي، 6 /39-40)
الإيمان والاحتساب في اتباع الجنائز والصلاة عليها
اشتراط الإيمان والاحتساب يلزم ليس لفرائض الأعمال والشعائر التعبدية المتضمنة في أركان الإسلام فحسب، بل يلزم كذلك للجزاء والمثوبة على الأعمال التطوعية التي يُبتغى بها وجه الله تعالى، كما جاء بشأن جائزة مشيع الجنازة والمصلي عليها، حسب حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنَ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ؛ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ". (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب اتباع الجنائز من الإيمان)
يبين النووي أن المراد بالقيراطين، الأول، ومعناه أن بالصلاة يحصل قيراط، وبالاتباع قيراط آخر، يتم به الجملة قيراطان، ودليل أن الجملة قيراطان، رواية مسلم في صحيحه، عن عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، أَلا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا، وَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ تَبِعَهَا، حَتَّى تُدْفَنَ، كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ، كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُحُدٍ». فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ خَبَّابًا إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ مَا قَالَتْ، وَأَخَذَ ابْنُ عُمَرَ قَبْضَةً مِنْ حَصَى الْمَسْجِدِ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ، فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَضَرَبَ ابْنُ عُمَرَ بِالْحَصَى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ". (صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها) (شرح النووي على مسلم، 6 /66، بتصرف)
فاتباع الجنائز والصلاة عليها ابتغاء مرضاة الله، وعملاً بسنة نبيه العدنان، صلى الله عليه وسلم، تجلب لمن يؤدي هذه السنة خيراً وافراً، حيث يجازيه الله بقيراطين، كل واحد منهما مثل جبل أحد، وما أدراك ما جبل أحد؟! وللمرء أن يتصور كم قيراط من هذا القبيل سيناله من يحرص على اتباع الجنائز والصلاة عليها، إنه جزاء وافر عظيم، لكن يجب أن يكون الدافع للقيام بهذا العمل المسنون الإيمان والاحتساب، وهما في أصلهما من أعمال القلوب، التي يقلبها الله كيف يشاء، سائلين الله العلي القدير أن يوفقنا لنكون من أصحاب القلوب النقية من براثن الشرك، وخلل الرياء.
فضمن الحديث المنبثق عن الحلف بمقلب القلوب، وبمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، تم الوقوف عند مسائل مرتبطة بنية الصيام والقيام وغيرهما من الأعمال التي محل المقاصد إليها القلوب، وشملت هذه المسائل: بيان معنى الإيمان والاحتساب المشروطان لقبول الأعمال، ومنها الصيام والقيام، والمراد بقيام رمضان وحكمه وكيفيته، وأجر الاحتساب في الصيام الإيمان، والاحتساب في اتباع الجنائز والصلاة عليها، ووعد المحتسبين بغفران الذنوب، ونيل الجزاء الحسن الوافر في الجنة، كما ثبت في أحاديث نبينا محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
3 رمضان 1447هـ