حادثة حمراء الأسد التي استجاب فيها المؤمنون لأمر الله والرسول، صلى الله عليه وسلم، بعد ما أصابهم القرح، عقب الله على نتيجتها بقوله عز وجل: {فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ منَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} (آل عمران:174)
وقفت الحلقة السابقة عند شمول أمر االله بتقليب القلوب، متعلقات أخرى بالتقلب، فهو سبحانه يعلم المتقلب والمثوى، وإليه المنقلب، ويقلب ذات اليمين وذات الشمال، والآية القرآنية التاسعة عشرة من سورة محمد يؤكد الله فيها أنه يعلم المتقلب والمثوى، أي: يعلم متقلب الخلق في الدنيا، ومثواهم في العقبى؛ فيعلم متقلبهم في أسفارهم، ومثواهم في أوطانهم. ومتقلبهم في أعمالهم نهاراً، ومثواهم في ليلهم نياماً. وذكرت بعض الآيات القرآنية الكريمة عن عباد الله إقرارهم أنهم إلى ربهم منقلبون، كما كان من سحرة فرعون، إذ قالوا له لما تبينت لهم الحقيقة أنهم قد تحققوا أنَّهم إلى الله راجعون، وأن عذابه أشد من عذابه، والانقلاب إلى الله هو عزاء المؤمنين في ساعة العسرة، وفي مواجهة البلاء وتحدّيه، فليس يفزعهم الموت، ولا ترهبهم المثلات التي يأخذهم بها الظالمون، إن حياتهم إذا انتهت بتلك النهاية، فإنها ستبدأ مرحلة جديدة، في عالم أرحب، وفي رحاب ربّ كريم، عرفوه، وآمنوا به، فلا ينكرهم يوم لقائه، ولا يحجب عنهم فضله ورحمته، بل يلقاهم برحمة منه ورضوان، وجنات لهم فيها نعيم مقيم.
وفي قولهم: {إِنَّا إِلَى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ} نكتة شريفة، وهي أنهم قد بلغوا في حب الله تعالى أنهم ما أرادوا شيئاً سوى الوصول إلى حضرته، وأنهم ما آمنوا رغبة في ثواب، أو رهبة من عقاب، وإنما مقصودهم محض الوصول إلى مرضاته، والاستغراق في أنوار معرفته، وهذا أعلى درجات الصديقين. وفي سورة الزخرف جاء قوله تعالى: {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} (الزخرف:14) على سبيل التعليم والتهذيب، فمن استوى على ظهر مركوبه، يسن له دعاء ربه بدعاء خاص، الذي فيه إيذان بأن حق الراكب أن يذكر عند ركوبه مركب الدنيا، آخر مركبه منها، وهو: الجنازة؛ فيبني أموره في مسيره على تلك الملاحظة، حتى لا يخطر بباله شيء من زينة الدنيا، وملاهيها وأشغالها.
وبين الله لخلقه في سورة العنكبوت أنهم إليه يقلبون، يعني أنهم يرجعون إلى الدار، التي بها تجري عليهم أحكام عذابه ورحمته، ليكتسبوا في هذه الدار، ما هو من أسباب رحمته من الطاعات، ويبتعدوا عن أسباب عذابه، وهي المعاصي.
وحالة التقلب لا تقتصر على القلوب بل تمر بها الأبدان أحياناً، ومن ذلك ما جرى لأصحاب الكهف، إذ تم تقليبهم ذات اليمين وذات الشمال، فالله أجرى عليهم حال الأحياء الأيقاظ، فجعلهم تتغير أوضاعهم من أيمانهم إلى شمائلهم، والعكس. وذلك لحكمة لعل لها أثراً في بقاء أجسامهم بحالة سلامة، والإتيان بالمضارع للدلالة على التجدد بحسب الزمن المحكي. ولا يلزم أن يكونوا كذلك حين نزول الآية.
ومن صور الانقلاب بأمر الله في ضوء ما ذكر الله في قرآنه الكريم، الانقلاب بنعمة من الله، والانقلاب فكهين، والانقلاب خاسرين، وانقلاب البصر خاسئاً، وفيما يأتي توضيح مجمل لشأن هذا الانقلاب:
الانقلاب بنعمة من الله
حادثة حمراء الأسد التي استجاب فيها المؤمنون لأمر الله والرسول، صلى الله عليه وسلم، بعد ما أصابهم القرح، عقب الله على نتيجتها بآيات قرآنية نزلت متتابعة في سورة آل عمران، ومنها الآية الرابعة والسبعون بعد المائة، المثبت نصها أعلاه، والتي جاءت في سياق الآيات الآتية: {الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ* الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ* إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (آل عمران:172-175)
وقد أخبرت أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، عن حادثة حمراء الأسد، فقالت لِعُرْوَةَ: "يَا ابْنَ أُخْتِي، كَانَ أَبَوَاكَ مِنْهُمْ: الزُّبَيْرُ، وَأَبُو بَكْرٍ، لَمَّا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا أَصَابَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَانْصَرَفَ عَنْهُ المُشْرِكُونَ، خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا، قَالَ: «مَنْ يَذْهَبُ فِي إِثْرِهِمْ» فَانْتَدَبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، قَالَ: كَانَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَالزُّبَيْرُ". (صحيح البخاري، كتاب المغازي، بَابُ {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [آل عمران: 172])
وفي التفسير الحديث أن الآيات سالفة الذكر من سورة آل عمران تنوه بالذين استجابوا إلى اللّه ورسوله، صلى الله عليه وسلم، على الرغم مما نالهم من جراح وتعب، ولم يبالوا بما قاله لهم الناس، من أن الأعداء قد جمعوا لهم، بل زادهم إيماناً باللّه، وتمسكاً به، واعتماداً عليه، وهتفوا قائلين: حسبنا اللّه، ونعم الوكيل. ولقد عادوا دون أن يمسّهم سوء، بفضل اللّه ونعمته، وبركة ما كان منهم من صبر وجرأة وإيمان واعتماد على اللّه. وقد نالوا فوق ذلك رضوان اللّه، ذي الفضل العظيم. وإن للذين أحسنوا من المسلمين واتقوا الأجر العظيم عند اللّه.
وقد روى المفسرون روايتين في صدد نزول هذه الآيات: أولاهما: تفكير قريش في الكرة بقصد استئصال المسلمين، وببلوغ الخبر للنبي، صلى اللّه عليه وسلم، ومسارعته للخروج على رأس فريق من أصحابه، وبلوغهم حمراء الأسد، حيث وجدوا قريشاً قد انصرفوا.
وثانيتهما: أن أبا سفيان قائد قريش هتف متواعداً مع النبي، صلى الله عليه وسلم، والمسلمين ليوم آخر، يلتقون فيه في بدر في السنة المقبلة، وأجابه المسلمون بأمر النبي، صلى الله عليه وسلم، بالموافقة، وهذا ما اعتاده العرب في حروبهم، فلما جاء الموعد خرج النبي، صلى الله عليه وسلم، على رأس فريق من أصحابه حتى بلغ بدراً، فلم يجدوا قريشاً، وشهدوا سوق بدر، وكان لهم فيها ربح تجاري عظيم، وعادوا ولم يلقوا كيداً أو سوءاً.
وفيه أيضاً أن روح الآيات وفحواها يلهمان أنها في صدد مشهد جهادي فور وقعة أحد، وما زالت مرارة الوقعة وجراحها شديدة الأثر في المسلمين. وهذا مما يتوافق مع الرواية الأولى، ومع الآيات أكثر، وإن كان هذا لا يمنع أن تكون قريش قد هتفوا بموعد بدر للسنة القابلة، حينما انصرفوا من أحد ثم فكروا في الكرّة. (التفسير الحديث: ص 4468-4469)
الانقلاب فَكِهِين
أحوال المنقلبين تتباين، بسبب فئاتهم وأعمالهم، فمنهم الفَكِهِين المتندرين بسوء صنيعهم، وعنهم يقول تعالى: {وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ} (المطففين:31) يذكر د. عبد الكريم الخطيب أن الفكه كثير الفكاهة والمزاح، وأن هذا شأن الذين بعد أن ينفض مجلسهم الآثم الذي جرحوا فيه المؤمنين، بتغامزهم وتلامزهم، إنهم يعودون من هذا المجلس إلى أهلهم، وعلى أفواههم طعم هذا المنكر الذي طعموه فيها، يتشدقون به، ويقصّون على أهلهم ما دار على ألسنتهم من فجور، وما رموا به المؤمنين من هجر القول، وفجره، ويجعلون ذلك مادة للتندر والتفكه، وهذا ديدن أهل السوء أبداً، يُشغلون عن أنفسهم وعن حراستها من المهالك والمعاثر، بالبحث عن عيوب الناس، وتتبع سقطاتهم وزلاتهم، والتشنيع بها عليهم. (التفسير القرآني للقرآن: 2 /485-486)
والفَكِهِين هنا يختلفون عن الفاكهين الفائزين بنعمة الله ورضوانه، مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ* فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} (الطور:17-18)
يذكر د. عبد الكريم الخطيب أن أصل التفكّه: من الفكاهة، وهو حديث فكه، يونس به، وهذا النعيم الذي يراه أهل النار بأعينهم، ويرون فيه أقواماً كانوا من قبل موضع استهزاء بهم، وسخرية منهم، وهذا النعيم، كان يمكن أن يكون لهم نصيب منه، ولكنهم صرفوا وجوههم عنه في الدنيا، وسفّهوا الذين كانوا يدعونهم إليه، فأبقى لهم ذلك حسرة دائمة، وبلاء طويلاً ممتداً، لا ينتهي أبداً، وفي هذا ما يضاعف من عقابهم، ويزيد في شقائهم، على حين أنّه يقدّم بين أيدي المؤمنين المتقين، ويرفع لأبصارهم في تلك الجنّة التي وعدوا بها، فيرونها دانية منهم، يشوقهم لقاؤها، والسعي الحثيث إليها.
وقوله تعالى: {فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ} هو حال من المتقين؛ أي أنهم وهم في جنتهم تلك، يتفكهون بما فيها من طيبات، تملأ نفوسهم رضاً وحبوراً. (تفسير القرآن بالقرآن: 1/137)
الانقلاب خاسرين
وقد سجل القرآن الكريم صوراً أخرى للانقلاب المشين، كانقلاب الذين يطيعون الكافرين على أعقابهم خاسرين، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} (آل عمران:149) فهذا تحذير رباني للمؤمنين من مسايرة الكافرين في الردة عن الدين، إذ النتيجة انقلاب إلى الخسران المبين، ويبين الرازي أن اللفظ لما كان عاماً وجب أن يدخل فيه خسران الدنيا والآخرة، أما خسران الدنيا فلأن أشق الأشياء على العقلاء في الدنيا الانقياد للعدو والتذلل له، وإظهار الحاجة اليه، وأما خسران الآخرة فالحرمان عن الثواب المؤبد، والوقوع في العقاب المخلد. (تفسير الرازي: ص1270)
وورد مثل هذا التحذير لبني إسرائيل على لسان موسى، عليه السلام، وعنه يقول عز وجل: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ} (المائدة:21) يبين الطنطاوي أن في هذه الآية الكريمة تحذير لهم من الجبن والإِحجام، بعد ترغيبهم الشديد في الشجاعة والإِقدام. (الوسيط: ص1225)
فضمن الحديث المنبثق عن الحلف بمقلب القلوب، وقفت هذه الحلقة عند الانقلاب بنعمة من الله، والانقلاب فَكِهِينَ وفَاكِهِينَ، والانقلاب خاسرين.
سائلين الله العلي القدير التوفيق للوقوف عند مزيد من الموضوعات والقضايا ذات الصلة بالقلوب وتقلبها، وبمتعلقات ذلك، حسب ما ثبت في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة المروية عن نبينا محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
6 ذو القعدة 1447هـ