عن عَبْد اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ». (صحيح مسلم، كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء)
تعرضت الحلقة السابقة لموضوع الحلف بلا ومقلب القلوب، فوقفت عند معنى الحلف وبعض أحكامه، مبينة أنه القسم أو اليمين التي يقسم بها المرء على أمر ما، سواء كان ماضياً، فيكون القسم على صدق الخبر، أم القسم على العزم على القيام بفعل في الحاضر أو المستقبل، وهنا يكون التأكيد والجزم على العزم على القيام بالفعل، وللحلف والأيمان أحكام وضوابط شرعية، حفلت بتفاصيلها المراجع الفقهية، ومن تلك الأحكام والضوابط، أن لا يكون الحلف بغير الله، وتقسم الأيمان من حيث معناها والأحكام التي تترتب عليها، إلى ثلاثة أنواع، منعقدة ولغو وغموس.
وورد النهي بشكل عام عن كثرة الحلف، ويَمِينُ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّتِي كَانَ يُوَاظِب عَلَى الْقَسَم بِهَا أَوْ يُكْثِرُ، أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ: أَحَدهَا: "وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وَكَذَا "نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ"، فَبَعْضهَا مُصَدَّرٌ بِلَفْظِ لَا، وَبَعْضُهَا بِلَفْظِ أَمَا، وَبَعْضهَا بِلَفْظِ "اَيْم"، ثَانِيهَا: "لَا وَمُقَلِّب الْقُلُوب". ثَالِثهَا: "وَاَللَّهِ" رَابِعهَا: "وَرَبِّ الْكَعْبَةِ". والخلف باليمين يطلق عليه الحِنْثُ.
ومعنى الحلف بتقليب القلوب، أي يقلب أغراضها وأحوالها من الإرادة وغيرها، إذ حقيقة القلب لا تنقلب، ومقلب القلوب هو المقسم به، و قال الراغب: تقليب الله القلوب والأبصار صرفها عن رأي إلى رأي، ويبين ابن بطال أن معنى ذلك تقليبه قلب عبده عن إيثار الإيمان إلى إيثار الكفر، وعن إيثار الكفر إلى إيثار الإيمان، وكان فعل الله ذلك عدلاً فيمن أضله وخذله؛ لأنه لم يمنعهم حقًا وجب عليه، فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم، لا ما وجب لهم وأضلهم؛ لأنهم ملك من ملكه، خلقهم على إرادته، لا على إرادتهم، فكان ما خلق فيهم من قوة الهداية، والتوفيق على وجه الفضل.
وفي نسبة تقلب القلوب أو تصرفها إشعار بأنه يتولى قلوب عباده، ولا يكلها إلى أحد من خلقه.
فالحلف يكون عادة بأمور يعظمها الحالف، وإكثار الرسول، صلى الله عليه وسلم، من الحلف بمقلب القلوب، يدل على اختيار صفة لله المعظم لدى الحالف نبينا، عليه الصلاة والسلام، وصفاته الجليلة كثيرة، واختيار هذه الصفة للإكثار من الحلف بها يدل على أهميتها، فالقلوب لها أحوال مختلفة، وتتأثر بمؤثرات كثيرة، وقد عني القرآن الكريم، بذكر بعض هذه الأحوال والمؤثرات في سياقات قرآنية عديدة، مع لفت الانتباه إلى أفعال الله فيه، ومن ذلك تقليب أحوالها من حال لآخر، لغايات ربانية، ولأسباب يقتضيها التقليب.
قُلُوبَ بَنِى آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ
يبين النووي أن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المثبت نصه أعلاه من أحاديث الصفات، وفيها الإيمان بها من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة المعنى، بل يؤمن بأنها حق، وأن ظاهرها غير مراد، قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}(الشورى:11)
والثاني يتأول بحسب ما يليق بها، فعلى هذا المراد المجاز، كما يقال فلان في قبضتي وفي كفي، لا يراد به أنه حال في كفه، بل المراد تحت قدرتي، ويقال فلان بين إصبعيّ، أقلبه كيف شئت، أي أنه مني على قهره والتصرف فيه كيف شئت، فمعنى الحديث أنه سبحانه وتعالى متصرف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء، لا يمتنع عليه منها شيء، ولا يفوته ما أراده، كما لا يمتنع على الإنسان ما كان بين إصبعيه، فخاطب العرب بما يفهمونه، ومثله بالمعاني الحسية، تأكيداً له في نفوسهم، فإن قيل فقدرة الله تعالى واحدة، والإصبعان للتثنية، فالجواب أنه قد سبق أن هذا مجاز واستعارة، فوقع التمثيل بحسب ما اعتادوه، غير مقصود به التثنية والجمع، والله أعلم. (صحيح مسلم بشرح النووي:16/204)
جاء في إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، للقاضي عياض أن هذا تجوز وتوسع، كما يقول القائل: فلان في قبضتي وبكفي، ولا يريد أنه حال بكفه، وإنما المراد: تحت قدرتي.
وكذلك يقال: ما أفعل هذا إلا بإصبعي، أو فلان بين إصبعي أصرفه كيف شئت. ولا يراد: أنه حال بين الإصبعين، وإنما يراد: أنه هين عليه القهر له، والغلبة وتصريفه كيف شاء، فكذلك المراد بقوله: (إصبعين من أصابع الرحمن) أي أنه متصرف بحسب قدرته ومشيئته سبحانه. (إكمال المعلم شرح صحيح مسلم:8/69)
ويبين عبد الرؤوف المناوي أن الله يصرف القلوب إلى ما يريد بالعبد، بحسب القدر الحاوي عليه المستند إلى العلم الأزلي، بحسب خلق تلك الدواعي والصوارف، فتصرفه سبحانه وتعالى في خلقه إما ظاهر بخلق يخرق العادات؛ كالمعجزة، أو بنصب الأدلة، كالأحكام التكليفية، وإما باطن بتقدير الأسباب، نحو {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ} (الأنفال:42) أو يخلق الدواعي والصوارف نحو: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ}(الأنعام:108) {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ}(الأنعام: 110) "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" أي طاعتك.
وعبر بالتثنية دون الجمع إشارة إلى أن الأصبعين هما ظهور القدرة الربانية بمظهري الخير والشر في قلب العبد، لا أن لله جارحة، تعالى عن ذلك، وعبر بالأصبعين دون اليدين؛ لأن أسرع التقليب ما قلبته الأصابع؛ لصغر حجمها، فحركتها أسرع من حركة اليد وغيرها، فلما كان تقليب الله قلوب عباده أسرع شيء، خاطب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، العرب بما تعقل، قال الكمال ابن أبي شريف: وقوله: "كيف يشاء" نصب على المفعول المطلق، من قوله: "يقلبها" والتقدير تقليباً يريده، وهذا من أحاديث الصفات، وللناس في تلقيتها مذهبان: أحدهما: أن الإيمان بها واجب، كالإيمان بمتشابه القرآن، والبحث فيها بدعة، وعليه أكثر السلف.
والثاني: أن البحث عنها واجب، وتأويلها بنحو ما تقرر متعين؛ فراراً من التعطيل، وعلى هذا فقهاء الصدر الأول؛ لأن الله سبحانه لم ينزل من المتشابه ما أنزل إلا ليعلم، ورسوله، صلى الله عليه وسلم، لم يقل ما قال إلا ليفهم، وبمعرفة المتشابه يتميز الفاضل من المفضول، والعالم من المتعلم، والحكيم من المتعجرف، ومن آمن بالأخبار على ما جاءت به، حيث ألبس عليه كنه معرفتها، لا تجب عليه أن يردها رد منكر لها، بل يؤمن ويسلم، ويكلها إلى الله، ورد متشابه التنزيل، والسنة طريق هين يستوي فيه العالم والجاهل، والسفيه والعاقل، وإنما يظهر الفضل بالبحث واستخراج الحكمة، والحمل على ما يوافق الأصول والعقول. (فيض القدير:2 /379)
تقلب القلوب والأبصار
تقلب القلوب يتم بأمر الله، العلي القدير، وقد نبه سبحانه إلى زمن يشهد تقلباً واضحاً للقلوب، وهو يوم القيامة، الذي أشار إلى هذا الشهود بقوله تعالى: {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} (النور:37) ومعنى {تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ} أي: تضطرب وتتغير من الهول والفزع، وتبلغ إلى الحناجر، {و} تتقلب {الْأَبْصَارُ} بالشخوص أو الزرقة. أو تتقلب القلوب إلى الإيمان بعد الكفران، والأبصار إلى العيان بعد النكران، كقوله تعالى: {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} (ق: 22). (البحر المديد:5 /125)
يبين البغوي أن الله خص الرجال بالذكر في هذه المساجد؛ لأنه ليس على النساء جمعة ولا جماعة في المسجد، {لَا تُلْهِيهِمْ} لا تشغلهم، {تِجَارَةٌ} قيل خص التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الصلوات والطاعات، وأراد بالتجارة الشراء، وإن كان اسم التجارة يقع على البيع والشراء جميعاً؛ لأنه ذكر البيع بعد هذا، كقوله: {وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً} (الْجُمُعَةِ: 11) يعني: الشراء، وقال الفراء: التجارة لأهل الجلب والبيع ما باعه الرجل على يديه. وقوله: {وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} أي: عن حضور المساجد لإقامة الصلوات، {وَإِقامِ} أي: إقامة الصلاة، حذف الهاء وأراد أداءها في وقتها؛ لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة، وأعاد ذكر إقامة الصلاة مع أن المراد من ذكر الله الصلوات الخمس؛ لأنه أراد بإقام الصلاة حفظ المواقيت.
{يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ} قيل: تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشرك والكفر، وتنفتح الأبصار من الأغطية، وقيل: تتقلب القلوب بين الخوف والرجاء، تخشى الهلاك وتطمع في النجاة، وتقلب الأبصار من هوله أي: ناحية يؤخذ بهم ذات اليمين أم ذات الشمال، ومن أين يؤتون الكتب أم من قبل الأيمان، أم من قبل الشمائل، وذلك يوم القيامة. وقيل: تتقلب القلوب في الجوف، فترتفع إلى الحنجرة، فلا تنزل ولا تخرج، وتقلب البصر شخوصه من هول الأمر وشدته. (تفسير البغوي: 3/420)
ويبين الشيخ عبد القادر الديرزوري، أن قوله تعالى: {لا تُلْهِيهِمْ} إلخ ليس نهياً عن التجارة، ولا يفيد معنى المنع منها، ولا كراهيتها، بل تشير إلى النّهي عن التهافت بها، والاشتغال فيها عن عبادته سبحانه، وما قيل إنها نزلت في أهل الصّفة لا يصح؛ لأنهم فقراء لا مال لهم حتى يؤمروا بالزكاة، ولأنهم تركوا الأشغال الدّنيوية كافة، وانكبوا على عبادة ربهم، وإنما نزلت في أهل الأسواق الّذين إذا سمعوا النّداء تركوا أشغالهم، وبادروا إليها ليقتدي بهم من بعدهم، ويا حسرتاه الآن تراهم لاهين باللعب، والشّغل عن الصّلاة، ولا يجيبون المنادي. (بيان المعاني:6 /141-142)
فهذه وقفة ثانية عند موضوع إكثاره، صلى الله عليه وسلم، من الحلف بمقلب القلوب، تم فيها الوقوف عند المراد بقُلُوب بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، وبيان المراد بتقلب القلوب والأبصار، راجين الله العلي القدير أن ييسر متابعة الوقوف عند المراد بأحوال القلوب المحلوف بمقلبها سبحانه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
11 شعبان 1447هـ