قال عز وجل: {لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ* مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}(آل عمران:196-197)
في إطار الحديث عن الحلف بمقلب القلوب، وقفت الحلقة السابقة عند بلاغ الله المؤمنين أنه يحول بين المرء وقلبه، كما هو مبين في الآية 24 من سورة الأنفال؛ أي أن الله يملك على المرء قلبه، فيصرفه كيف شاء، وينقله من الإيمان إلى الكفر، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن اليقين إلى الشك، ومن الشك إلى اليقين، ومن الصفاء إلى الكدر، ومن الكدر إلى الصفاء. وفي جانب ذي صلة يبين سبحانه أنه يربط على قلوب المؤمنين والمبتلين، ومن ذلك ربطه على قلوب أصحاب الكهف، فالله يُقَوِّي قَلْبَ من يكون في طاعته، وَيُثَبِّتُهُ عَلَى تَحَمُّلِ الشَّدَائِدِ، وَيعينه على الصَّبْرِ الْجَمِيلِ، وأَشَارَ تَعَالَى إِلَى وَقَائِعَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ فِي أَهْلِ بَدْرٍ في الْآيَةَ الحادية عشرة من سورة الأنفال، وكذلك ربط الله على قلب أم موسى، بعد أن ألقت ولدها في البحر بأمر الله، حسب ما جاء في الآيات 7-10 من سورة القصص.
وفي هذا الربط إشارة إلى أن ما يبتلى به المؤمنون الصابرون من أرزاء ومحن، يُتْبَع بالربط على قلوبهم لتثبيت إيمانهم، فينكشف لهم وراء كل رزء، وعقب كل محنة، أن ذلك لم يكن إلا عن تدبير الحكيم العليم، وأنهم لو استقبلوا من أمورهم ما استدبروا، لما أقاموها إلا على الوجه الذي أقامه اللّه ربّ العالمين، وبهذا ينتقلون من حال القلق والجزع في مواجهة المصائب والمحن، إلى حال التسليم والرضا، وهذا هو الإيمان في أرفع مقاماته، وأعلى منازله.
نهاه الله عن أن يخدع بتقلب الذين كفروا في البلاد
أحوال الخلق في الدنيا لن تدوم، فدوام الحال من المحال، فهي تتقلب وتتغير، مرات للأحسن، وأخرى للأردى، وفي الآية 196 من سورة آل عمران المثبت نصها أعلاه، تم لفت الانتباه إلى حقيقة تقلب الأحوال، فبعد أن وعد الله المؤمنين بالثواب، وكانوا في الدنيا في فقر وشدة، والكفار كانوا في رخاء ولين عيش، ذكر في هذه الآية ما يسلي المؤمنين ويصبرهم على تلك الشدة، فبين لهم حقارة ما أوتي الكفار المترفين من النعمة والغبطة والسرور، فعما قليل يزول كله عنهم، ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ}. (الأعراف:182) (الأنوار الساطعات لآيات جامعات، 1 /152)
يبين الطاهر بن عاشور أن الغرر والغرور: هو الإطماع في أمر محبوب على نية عدم وقوعه، أو إظهار الأمر المضر في صورة النافع، وهو مشتق من الغِرة بكسر الغين، وهي الغفلة، ورجل غِر، بكسر الغين، إذا كان ينخدع لمن خادعه. وهو هنا مستعار لظهور الشيء في مظهر محبوب، وهو في العاقبة مكروه.
وأسند فعل الغرور إلى التقلب؛ لأن التقلب سببه، فهو مجاز عقلي، والمعنى ينبغي أن لا يغرك. ونظيره: {يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ...} (الأعراف:27)، ولا ناهية؛ لأن نون التوكيد لا تجيء مع النفي.
والتقلب: تصرف على حسب المشيئة في الحروب والتجارات والغرس ونحو ذلك.
والبلاد: الأرض، والمتاع: الشيء الذي يشترى للتمتع به.
وجملة {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} إلى آخرها بيان لجملة {فلا يغرنك}، والمتاع: المنفعة العاجلة، قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ} (الرعد: 26). (التحرير والتنوير، 3 /315-316)
وفي موضع آخر يبين ابن عاشور أن التقليب مصدر قلب، الدال على شدة قلب الشيء عن حاله الأصلية. والقلب يكون بمعنى جعل المقابل للنظر من الشيء غير مقابل، كقوله تعالى: {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا} (الكهف: 42)، وقولهم: قلب ظهر المجن، وقريب منه قوله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} (البقرة: 144)؛ ويكون بمعنى تغيير حالة الشيء إلى ضدها؛ لأنه يشبه قلب ذات الشيء. (التحرير والتنوير، 6 /273)
ونُهي عن الغرور بتقلب الذين كفروا في البلاد في سورة غافر، إذ يقول تعالى: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ} (غافر:4) فجعل {فلا يغررك} بمعنى لا يحزنك، وفيه تسلية للنبي، صلى الله عليه وسلم، ووعيد للكفار. (التسهيل لعلوم التنزيل، 2 /477)، وفيه أيضاً إحقار لشأن الكافرين المعاندين، ولما بين أيديهم من مال وسلطان، وتقلبهم في البلاد، هو تنقلهم في تجاراتهم، إذ كانوا أصحاب تجارات، مع أهل الشام شمالاً، ومع اليمن جنوباً، في رحلتي الشتاء والصيف (التفسير القرآني للقرآن، 2 /207)، والتقلب في البلاد لا ينحصر بالتجارة والتنقل، والله أعلم، وإنما يشمل معانيَ أخرى، منها: السطوة، والسيطرة، والنفوذ، وامتلاك القوة بمعانيها المختلفة والواسعة، والتي أوصلت بعضهم كفرعون أن يظن أنه صار ربهم الأعلى، حسب ما جاء في خطابه، عز وجل، الموجه إلى موسى، عليه السلام: {هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى* إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى* اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى* وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى* فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى* فَكَذَّبَ وَعَصَى* ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى* فَحَشَرَ فَنَادَى* فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى* فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى* إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى}(النازعات: 15-26)
إليه تقلبون
أنواع التقلب تتعدى تقلب القلوب لتشمل صوراً أخرى كثيرة، منها التقلب إلى الله، الذي بيده سبحانه الأمر كله، والقلب: هو الرجوع، أي وإليه ترجعون. (التحرير والتنوير، 20 /154)
وعن هذا التقلب يقول جل شأنه: {يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} (العنكبوت:21) ومعنى {وإليه تقلبون} أي ترجعون؛ أي إلى حكمه في دار الجزاء تردون (التبيان تفسير غريب القرآن، ص332)، ويذكر السعدي توجيهاً مستنبطاً من قوله تعالى: {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} الذي يعني الرجعة إلى الدار التي بها تجري على الخلق أحكام عذابه ورحمته، فاكتسبوا في هذه الدار، ما هو من أسباب رحمته من الطاعات، وابتعدوا عن أسباب عذابه، وهي المعاصي. (تفسير السعدي، ص628)
الانقلاب إلى الأهل
ورد الانقلاب منسوباً لفعل الرسول، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه المؤمنين، فقال عز وجل: {بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} (الفتح:12)، يعني بل منعكم من السير معه لأنكم ظننتم {أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ} من الحديبية {إِلَى أَهْلِيهِمْ} بالمدينة أبداً، {وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ} يعني وحسن التخلف في {وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ} يعني حسبتم ظن القبيح {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} يعني هلكى. (بحر العلوم، 3 /299)
فمن هدي القرآن للتي هي أقوم: التحذير من المعاصي، وبيان صورة من صور المنافقين في مطامعهم وتناقضهم، حيث يتخلفون حين الخطر عن اتباع النبي، صلى الله عليه وسلم، والمسلمين، ويعتذرون بالأعذار الكاذبة، ثم يطلبون منهم اتباعهم فيما تكون فيه الغنائم والسلامة مضمونتين (الأنوار الساطعات لآيات جامعات، 3 /254)، فيرد الله عليهم مكذباً ظنهم وزعمهم، بل إنكم ظننتم أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومن معه من أصحابه سيَهْلكون، ولا يَرْجعون إليكم أبدًا، وحسَّن الشيطان ذلك في قلوبكم، وظننتم ظنًا سيئًا أن الله لن ينصر نبيه محمدًا، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه على أعدائهم، وكنتم قومًا هَلْكى لا خير فيكم.(التفسير الميسر، 9 /207)
فالمقولات التخاذلية الإحباطية كما كان من منافقي الأمس يتكرر صدورها بالصيغ نفسها أو بما يشابهها في سياق الشماتة بالمخلصين، وفي سياق ثقافة الانهزام، التي ينطلق من وحلها المرجفون وأصحاب الأعذار الكاذبة خلال مواجهة الخطوب والمحن والابتلاءات، لظنهم أنهم على صواب، وأن الذين يواجهون الموت دفاعاً عن الدين والحياض، ذاهبون حسب رؤيتهم إلى الهلاك المحقق، وأن لا رجعة لهم عن ذلك ولا نجاة، فالله يخيب ظنهم، ويطمئن الصالحين أن خصومهم هم إلى البوار والهلاك، وليسوا هم.
تقلب الوجه في السماء
من صور التقلب التي عني القرآن الكريم بذكرها، تقلب وجه النبي، صلى الله عليه وسلم، في السماء؛ انتظاراً لتحقيق رغبته في تحويل القبلة إلى بيت الله الحرام، فقال عز وجل: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ...} (البقرة:144)
فالله يخبر أنه، سبحانه، كان يرى تحوُّل وجه الرسول، صلى الله عليه وسلم، في جهة السماء، مرة بعد مرة؛ انتظارًا لنزول الوحي إليه في شأن القبلة، فصرفه الله عن استقبال "بيت المقدس" إلى المسجد الحرام بـ "مكة". (التفسير الميسر، 1 /158) علماً أن هذا التحول تم بعد شهور من استقبال بيت المقدس، حسب الثابت في الحديث الصحيح عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ..." (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان)
فضمن الحديث المنبثق عن الحلف بمقلب القلوب، وقفت هذه الحلقة عند صور للتقلب المذكور في القرآن الكريم، فوقفت عند نهي الله عن الانخداع بتقلب الذين كفروا في البلاد، وعند التقلب إلى الله، والانقلاب إلى الأهل، وتقلب الوجه في السماء، سائلين الله العلي القدير التوفيق للوقوف عند مزيد من الموضوعات والقضايا ذات الصلة بالقلوب، والتقلب الذي يجري في الأرض والسماء، حسب ما ثبت في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة المروية عن نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
22 شوال 1447هـ