.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يكثر من الحلف بمقلب القلوب - الحلقة الحادية عشرة

==========================================================

بلَّغ المؤمنين أن الله يحول بين المرء وقلبه
يخاطب الله المؤمنين بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (الأنفال: 24)
وقفت الحلقة السابقة عند صورة من صور التقلب التي ذكرها القرآن الكريم، وتتناغم مع الحلف بمقلب القلوب، تلكم هي التقلب في الساجدين، فالله خاطب رسوله الكريم محمداً، صلى الله عليه وسلم، بقوله، عز وجل:{وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} (الشعراء:219) أي أن الله يرى رسوله، صلى الله عليه وسلم، حين يقوم، وحين يسجد. وقيل: معناه يرى صلاته مع المصلين، وفي ذلك إشارة إلى الصلاة مع الجماعة، وقيل يرى تقلب بصره في المصلين خلفه، ويذكر الطاهر بن عاشور أن هذا الخطاب يتضمن تنويهاً بالنبي، صلى الله عليه وسلم، في جليل أعماله، وتسلية على ما يلاقيه من المشركين من تكذيب وأذى، لأن اطّلاع الله على ذلك، وعلمه بأنه في مرضاته، كاف في التسلية، ومن صور التقلب التي ذكرها القرآن الكريم تقلب القلوب والأبصار، الذي يحدث للخلق في الآخرة، وأحياناً في الدنيا، والمؤمنون الذي يخشون ربهم بالغيب يخافون الآخرة التي تتقلب فيها القلوب والأبصار، وتُقَلُّبَ الْقُلُوبِ هُوَ حَرَكَتُهَا مِنْ أَمَاكِنِهَا مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ؛ وتقلب الْأَبْصَارِ هُوَ زَيْغُوغَتُهَا وَدَوَرَانُهَا بِالنَّظَرِ فِي الْجِهَاتِ جَمِيعها مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ. وهنا تقلب الوجوه في النار، وذلك يكون في تصريفها في جهة النار، ويحدث ذلك لأهلها حين يقلبون على وجوههم في جهنم، وهم أحياء، كلما نضجت جلودهم بدلهم اللّه جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ألواناً، وليطعموه حميماً وغسّاقاً، وهم في هذا العذاب لا يملكون إلا صرخات الندم والحسرة. وهناك الانقلاب على الأعقاب، ومعناه الرجوع إلى المكان. وهو هنا مجاز في الرجوع إلى الحال التي كانوا عليها قبل الإسلام. ويقال لكل من رجع إلى حاله السيئ الأول: "نكص على عقبيه"، و"ارتد على عقبيه". والعقب مؤخر الرجل. وجمعه أعقاب، وفي قوله تعالى: {انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ} تنفير شديد من الرجوع إلى الضلال بعد الهدى، وتصوير بليغ لمن ارتد عن الحق بعد أن هداه اللّه إليه.
فلما أشيع يوم أُحد أن النبي، صلى الله عليه وسلم قتل، كان لهذا الخبر الكاذب وقعه على المسلمين، فاضطربت لذلك صفوفهم، ووقع كثير منهم تحت وطأة الحزن والكمد، فهام على وجهه يطلب الفرار من وجه هذا الهول الصاعق، فعاتبهم اللّه على ما كان منهم في هذا الموقف.
اللّه يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ
لاحقاً لما تم عرضه عن حول الله بين المرء وقلبه في الحلقة الثالثة، يشار هنا إلى أن الحديث عن الحلف بمقلب القلوب، يناسبه الاستدلال بأمور تتعلق بالقلوب وتقلبها، من ذلك أن الله جل في علاه، يحول بين المرء وقلبه، كما هو مبين في الآية 24 من سورة الأنفال المثبت نصها أعلاه، ومعنى {يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} فالله يملك على المرء قلبه، فيصرفه كيف شاء (التبيان تفسير غريب القرآن، 218)، وينقله من الإيمان إلى الكفر، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن اليقين إلى الشك، ومن الشك إلى اليقين، ومن الصفاء إلى الكدر، ومن الكدر إلى الصفاء. (البحر المديد، 3 /26-27)
ويروى عن الواحدي حكاية عن ابن عباس، والضحاك: أن الله يحولُ بين المرءِ الكافرِ وطاعته، ويحولُ بين المطيع ومعصيته، فالسَّعيدُ من أسعده اللَّهُ، والشقيُّ من أضله الله، والقلوب بيده يقلبها كيف يشاء. وقال السُّديُّ: يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن، ولا أن يكفر، إلا بإذنه.
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ، وعطاءٌ: يحولُ بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان. (اللباب في علوم الكتاب، 9 /490)
الربط على قلوب المؤمنين والمبتلين
ضمن موضوع تقليب القلوب، والحيلولة بين المرء وقلبه، يأتي موضوع الربط على القلوب، ومنه ربط الله على قلوب أصحاب الكهف، فقال عز وجل: {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً} (الكهف:14) أَيْ ثَبَّتْنَا قُلُوبَهُمْ، وَقَوَّيْنَاهَا عَلَى الصَّبْرِ، حَتَّى لَا يَجْزَعُوا وَلَا يَخَافُوا مِنْ أَنْ يَصْدَعُوا بِالْحَقِّ، وَيَصْبِرُوا عَلَى فِرَاقِ الْأَهْلِ وَالنَّعِيمِ، وَالْفِرَارِ بِالدِّينِ فِي غَارٍ فِي جَبَلٍ لَا أَنِيسَ بِهِ، وَلَا مَاءَ وَلَا طَعَامَ. وَيبين الشنقيطي أنه يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ مَنْ كَانَ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ جَلَّ وَعَلَا أَنَّهُ تَعَالَى يُقَوِّي قَلْبَهُ، وَيُثَبِّتُهُ عَلَى تَحَمُّلِ الشَّدَائِدِ، وَالصَّبْرِ الْجَمِيلِ.
وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى وَقَائِعَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ ، كَقَوْلِهِ فِي أَهْلِ بَدْرٍ مُخَاطِبًا نَبِيَّهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَصْحَابَهُ: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ* إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} الْآيَةَ (الأنفال: 11 – 12) (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، 3 /214)
ويبين الشنقيطي كذلك أن هَذِهِ آثَارُ الطُّمَأْنِينَةِ وَالسَّكِينَةِ، وَالرَّبْطِ عَلَى الْقُلُوبِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} (الحشر:2)
وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْرَيْنِ المَنْطُوقَ وَالْمَفْهُومَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} (الأنفال:12)، فَنَصَّ عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ بِالتَّثْبِيتِ فِي قَوْلِهِ: {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا}، وَنَصَّ عَلَى الرُّعْبِ فِي قَوْلِهِ: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} فَكَانَتِ الطُّمَأْنِينَةُ تَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالرُّعْبُ زَلْزَلَةً لِلْكَافِرِينَ. (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، 8 /20)
الربط على قلب أم موسى
ربط الله على قلب أم موسى، بعد أن ألقت ولدها في البحر بأمر الله، حسب ما جاء في قوله عز وجل: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ* فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ* وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ* وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (القصص: 7-10)
يبين د. محمد الخطيب أن في هذا الآيات لفتة جانبية إلى أم موسى، وإلى ما تعاني من آلام نفسية، بعد أن ألقت بوليدها في اليم، وفي هذه اللفتة تتصل خيوط الأحداث التي ينسج منها القدر هذا الحدث الكبير، الذي سيولد بعد قليل، وأم موسى لها دور مهم في الأحداث المقبلة، سينكشف فيما بعد!
وفي قوله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً} إشارة إلى ما ترك ضياع الولد من يدها، من فراغ كبير، في مشاعرها، وأحاسيسها، فقد تعطلت بذهابه عنها كل العواطف التي تغذى بها الأم طفلها، من سهر عليه، ومناغاة له، واشتغال به في نومه، ويقظته، وفي بكائه، وصمته، وفي حركته وسكونه.
إن جوارحها كلها التي ترصدها الأم لطفلها، قد أصبحت أدوات معطلة لا تعمل، وهذا بدوره قد جعل قلبها ـوهو مركز العواطف والمشاعرـ كياناً فارغاً، لا يستقبل من الطفل ما يصل الأم به، من مشاعر وعواطف، إلا تلك العواطف السلبية؛ من قلق، وأسى، ولوعة، وهذا هو السر في هذا التعبير المعجز: {وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً}!
وفي قوله تعالى: {أُمِّ مُوسى} إشارة إلى أن هذا الوليد، قد أصبح في رعاية اللّه، وفي ضمان وعده بحفظه، قد أصبح ذا وجود معترف به في هذا المحيط الذي ضاعت فيه معالم الأطفال، وأهدرت فيه دماؤهم، إنه الآن شخصية معروفة، وعلَم ظاهر، يأخذ مكانه في هذه الأحداث، تماماً كما يأخذ فرعون مكانه فيها. وقوله تعالى: {إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} أي أنها ـ وقد فرغ قلبها من هذا المهد الذي كان لوليدها في سويداء القلب ـ أو شكت أن تصرخ وتندب هذا الوليد، وتنادي في الناس: إن هذا الطفل الذي وجد ملقى في اليمّ، والذي التقطه آل فرعون هو وليدها، وإنها لتود أن تلقى عليه ولو نظرة واحدة، قبل أن يصير إلى هذا المصير المجهول!
وقوله تعالى: {لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها}: أي أمسكنا على قلبها ما فيه من نوازع تريد الانطلاق إلى الكشف عن وجه الوليد، وفضح أمره.
بلسم لجراح المبتلين في كل زمان
قوله تعالى: {لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} تعليل لهذا الربط الذي ربط اللّه سبحانه، به على قلبها، وهو أنها بعد أن تتكشف لها الأمور، ستعلم أن ما وعدها اللّه حقّ، وبهذا يتأكد إيمانها باللّه، ويقوى يقينها به، وفي هذا إشارة إلى أن ما يبتلى به المؤمنون الصابرون من أرزاء ومحن، هو تثبيت لإيمانهم، وترسيخ لقواعد هذا الإيمان في قلوبهم، حيث ينكشف لهم وراء كل رزء، وعقب كل محنة، أن ذلك لم يكن إلا عن تدبير الحكيم العليم، وأنهم لو استقبلوا من أمورهم ما استدبروا، لما أقاموها إلا على هذا الوجه الذي أقامه اللّه ربّ العالمين، وبهذا ينتقلون من حال القلق والجزع في مواجهة المصائب والمحن، إلى حال التسليم والرضا، وهذا هو الإيمان في أرفع مقاماته، وأعلى منازله. (التفسير القرآني للقرآن، 4 /76-77)
فضمن الحديث المنبثق عن الحلف بمقلب القلوب، وقفت هذه الحلقة عند ما جاء في القرآن الكريم، الموحى به للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، من أمر الله المؤمنين بالاستجابة لله وللرسول، صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم أنه يحول بين المرء وقلبه، وأنه سبحانه يربط على القلوب حين يريد لمعالجة الفراغ الذي يحدث لها، وأن الإيمان في أرفع مقاماته، وأعلى منازله يتجلى في نتيجة الربط على قلب أم موسى، كنموذج لهذه السنة الربانية.
سائلين الله العلي القدير التوفيق للوقوف عند مزيد من الموضوعات والقضايا ذات الصلة بالقلوب وتقلبها، حسب ما ثبت في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة المروية عن نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
15 شوال 1447هـ

تاريخ النشر 2026-04-03
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس