توعد الله في قرآنه المنزل على نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، أصحاب القلوب القاسية، فقال عز وجل: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (الزمر:22)
الحلقة السابقة أشارت إلى التباين الحاصل بين القلوب المفعمة بالرأفة والرحمة، وتلك الغليظة القاسية، ونفى الله عن قلب نبيه، صلى الله عليه وسلم، هذه الصفة السلبية كما هو مبين في الآية القرآنية الكريمة 159 من سورة آل عمران.
وشبه الله القلوب القاسية بالحجارة، وتكون بعض القلوب أحياناً أشد قسوة من الحجارة، وأصحاب القلوب القاسية يُفْتَنون بما يلقي الشيطان، وذلك هو ديدن أصحاب القلوب القاسية.
فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ
أصحاب القلوب القاسية الغليظة، من ذكر الله، التي لا يؤثر فيها زجر ولا تذكير، ولا تفهم عن الله وعن رسوله لقسوتها، فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان، جعلوه حجة لهم على باطلهم، وجادلوا به، وشاقوا الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، توعدهم الله بالويل، كما هو مبين في الآية القرآنية الثانية والعشرين من سورة الزمر، المثبت نصها أعلاه، فقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين الضالين، الذين إذا ذكرّوا بآيات ربّهم اشمأزّوا ونفروا. (التفسير القرآني للقرآن، 2 /150)
فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ طال عليهم الأمد فقست قلوبهم
قارن الله بين حالين لصنفين متغايرين من الناس، أولهما الذين تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، وثانيهما الذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، وكثير منهم فاسقون، فقال جل شأنه: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد:16) فقد تساءلت الآية تساؤلاً إنكارياً عمن هو الأفضل، أليس هو الذي شرح اللّه صدره فاهتدى، وهو على نور من ربّه؟ ثم أنذرت ذوي القلوب القاسية، التي لا تخشع ولا تلين عند ذكر اللّه، وقررت أنهم في ضلال مبين. وقد انطوى في الآية كما هو المتبادر جواب إيجابي بأفضلية الأولين، كما احتوت تنويهاً بهم، وتقريعاً للكافرين، وذوي القلوب القاسية. (التفسير الحديث، ص2508)
ملخص مجمل لأبرز ما تضمنته الحلقات السابقة
مع ختم الحديث عن الإكثار من الحلف بمقلب القلوب، في هذه الحلقة، قد يكون من الحسن والمفيد التذكير بمجمل ما
وقفت عنده الحلقات السابقة لهذه السلسلة، وذلك على النحو الآتي:
وقفت الحلقة الأولى عند معنى الحلف وبعض أحكامه، وأنواع الأيمان من حيث معناها والأحكام التي تترتب عليها، والحلف بمقلب القلوب، وفي الحلقة الثانية تم بيان معنى أن قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، والمراد بتقلب القلوب والأبصار.
وفي الحلقة الثالثة تم التأكيد على نسبة الأفعال لله عز وجل، في ضوء كثير من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، فالله أمر بالعمل مقترناً بترسيخ حقيقة دالة على أن الأمر لله من قبل ومن بعد، فكل إنسان ميسر لما خلق له.
وفي الحلقة الرابعة بُين أن من القلوب تنبعث النوايا والمقاصد، التي يتحدد بناء عليها جزاء الأعمال، خاصة عند المطلع على النوايا والخفايا جل شأنه، وبمناسبة حلول شهر رمضان المبارك لُخِصّت الآراء الفقهية الخاصة بتبييت نية الصيام في ليالي رمضان قبل الفجر، وأجيب عن سؤال: هل تجزيء النية في أول ليلة في رمضان عن بقية الليالي؟ وبُين حكم عقد النية لصيام النافلة بعد طلوع الفجر.
وفي الحلقة الخامسة بُين أن جزاء الصيام والقيام مرتبط أولا ًبالمقصد القلبي، وتبع ذلك بيان معنى الإيمان والاحتساب المشروطين لقبول الأعمال، ومنها الصيام والقيام، والمراد بقيام رمضان وحكمه وكيفيته، وأجر الاحتساب في الصيام والقيام، الإيمان والاحتساب في اتباع الجنائز والصلاة عليها.
وفي الحلقة السادسة تم التأكيد على أن الصيام يفسد بتناول شيء من المفطرات بقصد قلبي، ويعفى الذي يأكل ناسياً دون تعمد قلبي، استناداً إلى مبدأ التكليف بالمقدور والمستطاع.
وفي الحلقة السابعة تم الوقوف عند اشتراط الإخلاص في الأعمال التي تقدم في سبيل الله، ومن ذلك الإخلاص في قراءة القرآن والإنفاق في سبيل الله، والعمل العام.
وفي الحلقة الثامنة بُينت أهمية ليلة القدر وفضلها ووقتها وقيامها إيماناً واحتساباً.
وبمناسبة عيد الفطر المبارك تم الوقوف في الحلقة التاسعة عند تغيرات مشروعة على القلوب والأحوال يوم العيد، ومن ذلك المخالفة في طريق الذهاب والإياب لصلاة العيد، وتحريم صوم يوم العيد، والحث على إدخال السرور على قلوب الأهل والعيال في الأعياد، وترقيق القلوب تجاه اليتامى والفقراء والمحتاجين يوم العيد وغيره.
وفي الحلقة العاشرة تم الوقوف عند قوله، عز وجل: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} (الشعراء:219)
وتقلب القلوب والأبصار، يحدث للخلق أحياناً في الدنيا، وأحياناً في الآخرة، ففي الدنيا يتعرض الناس لمواقف وحوادث تتزلزل فيها قلوبهم، وتتقلب فيها أبصارها، بدرجات ومستويات متفاوتة، لكن هذا التقلب ليس بشيء إذا ما قورن بما يكون يوم القيامة، والمؤمنون الذين يخشون ربهم بالغيب يخافون الآخرة التي تتقلب فيها القلوب والأبصار، وأن الوجوه تتقلب في النار، والملاحظ أن التقلب يحدث لأجزاء من الأبدان الداخلية والخارجية، فيقع للقلوب، والأبصار، ويقع كذلك للوجوه في النار، وبُين معنى الانقلاب على الأعقاب.
وفي الحلقة الحادية عشرة تم الوقوف عند بلاغ المؤمنين أن الله يحول بين المرء وقلبه، وعند المراد بالربط على قلوب المؤمنين والمبتلين، ومنه ربط الله على قلوب أصحاب الكهف، والربط على قلب أم موسى بعد أن ألقت ولدها في البحر بأمر الله.
وفي الحلقة الثانية عشرة تم الوقوف عند النهي عن الانخداع بتقلب الذين كفروا في البلاد، وبُين معنى التقلب في البلاد، وأُكد على أن أحوال الخلق في الدنيا لن تدوم، فدوام الحال من المحال، وأن الخلق إلى الله يقلبون؛ أي يرجعون، وأن أنواع التقلب تتعدى تقلب القلوب لتشمل صوراً أخرى كثيرة، منها التقلب إلى الله، الذي بيده سبحانه الأمر كله.
ومن صور التقلب التي عني القرآن الكريم بذكرها، تقلب الوجوه في السماء، كما كان يرى من تحوُّل وجه الرسول، صلى الله عليه وسلم، في جهة السماء، مرة بعد مرة؛ انتظارًا لنزول الوحي إليه في شأن القبلة.
وفي الحلقة الثالثة عشرة بين أن الله يعلم المتقلب والمثوى، وإليه المنقلب، وأنه يقلب ذات اليمين وذات الشمال.
وفي الحلقة الرابعة عشرة تم الوقوف عند الانقلاب بنعمة من الله، كما كان لأصحاب حمراء الأسد، والذين عادوا منها دون أن يمسّهم سوء، بفضل اللّه ونعمته، وبركة ما كان منهم من صبر وجرأة وإيمان واعتماد على اللّه. وبين أن أحوال المنقلبين تتباين، بسبب فئاتهم وأعمالهم، فمنهم الفكهين المتندرين بسوء صنيعهم، وهم يختلفون عن الفاكهين الفائزين بنعمة الله ورضوانه، بخلاف المنقلبين الخاسرين، وقد سجل القرآن الكريم صوراً أخرى للانقلاب المشين، كانقلاب الذين يطيعون الكافرين على أعقابهم خاسرين.
وفي الحلقة الخامسة عشرة بُين معنى انقلاب البصر خاسئاً يوم القيامة، حسب الثابت في الآية القرآنية الرابعة من سورة الملك، بخلاف الذي ينقلب مسروراً، إذ وعد سبحانه من يؤتى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ بأن يُحَاسَبُ يوم القيامة حِسَابًا يَسِيرًا ويرجع إلى أهله في الجنة مسروراً بما أعطاه الله، وأشار القرآن الكريم إلى منقلب صعب ينقلبه الظالمون جراء ما اقترفوا، فتوعدهم عز وجل بقوله: {...وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} (الشعراء:227)
وفي الحلقة السادسة عشرة تم التأكيد على أن الله يعلم متقلب خلقه ومثواهم، وأن القلوب تصاغ لتستقيم على أمر الله وصراطه السوي.
في الحلقة السابعة عشرة تم بيان أن فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، وبُين أن أعضاء جسم الإنسان منها المثنى كاليدين والرجلين والقدمين والعينين والشفتين والكليتين والرئتين، ومنها الواحد كالرأس والكبد والقلب، وقد نفى القرآن الكريم وجود أكثر من قلب للإنسان، وقلوب الخلق أنواع، منها الجيد الطيب، ومنها السيء الرديء. ووصفت بعض القلوب بالواجفة، الذين ينكر أصحابها البعث، ومعنى {واجفةٌ}؛ مضطربة، وفي المقابل هناك رأفة في القلوب ورحمة.
وبمناسبة قرب عيد الأضحى المبارك، ويوم النحر، واستعداد حجاج بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج، وضمن الحديث عن القلوب وتقلبها والحلف بذلك، وقفت الحلقة الثامنة عشرة عند أمر الحجاج أن يتزودوا، وأن خير الزاد التقوى، وعند مسألة ذات صلة، تتعلق بالتقوى المطلوبة من المسلم دائماً وأبداً، مستنبطة من قوله تعالى: {وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ}، فبين سبحانه أن الأهم من نحر {الْبُدْن}، والتقرب بلحومها لله هدياً بالغ الكعبة، أن ينبع القيام بهذه الشعيرة من تقوى، وتأكيداً لهذه المعاني المشاد فيها بالتقوى التي محلها القلب، أثنى الله في القرآن الكريم على أنواع من القلوب، فبين أن العبرة الأهم أن يأتي المرء ربه بقلب سليم ومنيب.
وتم الوقوف في الحلقة التاسعة عشرة عند حقيقة تباين القلوب المفعمة بالرأفة والرحمة، مع تلك الغليظة القاسية، وقد نفى الله عن قلب نبيه، صلى الله عليه وسلم، هذه الصفة السلبية، وشبه سبحانه القلوب القاسية بالحجارة، وتكون بعض القلوب أحياناً أشد قسوة من الحجارة، مع بيان أن أصحاب القلوب القاسية يُفْتَنون بما يلقي الشيطان، فيزين لأصحابها الأعمال الضالة، وتوبع الحديث عن القلوب القاسية في هذه الحلقة -العشرين والأخيرة- من خلال الوقوف عند وعيد الْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ بالويل، وعند الإشارة للذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم.
سائلين الله العلي القدير أن ينفع بهذا التذكير المتدبرين به، الراجين عفوه سبحانه ورضاه، الساعين لأن يأتوا الله بقلوب سليمة منيبة، فيا مقلب القلوب، اهدِ قلوبنا وأصلحها وثبتها على الحق والصراط السوي، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
26 ذو الحجة 1447هـ